الأمـــــــــــــان
تصور لنا المنحوتات والرسوم على كافة جدران الكهوف والآثار الباقية من العصور البائدة؛ أن جُل هم الأولين كان تحقيق الأمان، في مسكن آمن، في نار تبقيهم آمنين شر الضواري ليلاً، والقر شتاءً، في ملبس يحمي الأبدان، ويُجمل الأشكال، وتطور الأمر لتُبنى حضارات تشكلت بفعل التجمع البشري لتأمين الحياة، وتشكلت مراتب ومناصب بفعل الحاجة إلى وجودها، ولا يخلو مجتمع -بشري كان أو غير بشري- من فكرة الهيكلية الإدارية بكافة أشكالها وصورها، قائد يرعى ويحمي الجماعة ومساعدون ونواب وتدرج هيكلي رأسيا وأفقيا، يربطهم الصالح العام وتوافق المصالح الشخصية مع المصالح العامة لضمان سلامة الجماعة وبقاء النوع ، واستمرارية الحياة الآمنة.
حينما قام "إبراهام ماسلو" في بدايات الأربعينيات من القرن العشرين بنشر ورقته البحثية "نظرية في الدافعية البشرية" وضع ركن الأساس الذي بُنيت عليه الكثير من النظريات والفرضيات بل والمجتمعات أيضا، فترى النظرية تؤسس الدافع البشري على ركيزة الاحتياج والإشباع المتدرج من حاجات أساسية وفرعية وثانوية ، بيد أن كل كفاية لإحتياج ؛ تأمين في حد ذاته، فسد الجوع ، وقتي ولحظي لكن تأمين الغذاء هو ما يدفع المرء للتطلع إلى شيء آخر، فيسعى لتحقيق ذلك الأمان بشكل أو بآخر، فبعد الاعتماد على القنص والجمع، باتت التربية والزراعة ركيزة مجتمعية يجني ثمارها كافة أفراد الجماعة، لتنتقل مراحل الأمان من خطى وئيدة إلى صروح عتيدة.
هل شعور المرء بالأمان الوظيفي كافٍ لتحقيق نجاحات أم لتخليق خمول وتواكل، إن تباين الآراء في هذا الأمان تحديداً؛ هو ما يخلق عادة التخبط الإداري بين المنظمات والمؤسسات ولا غرو أن يكون ذلك في المناصب العامة أيضا ، فعادة الأمر لا يكون متماثلا بين الأفراد، فالطبائع البشرية متباينة، والإدارة الحكيمة تميز كيف يكون أمان الأفراد، ونشأة المجتمعات نبعها الأساسي التأمين، لكافة جوانب الحياة الأساسية، فمن آمن قوته سعى لتأمين السُكنى وهكذا دواليك، لكن هناك من يركن إلى ضمان القوت فلا يسعى لما يلي من حاجات، كما ذكر "الجاحظ" عن أشهر العرب جشعاً وركوناً في آن واحد "أشعب" في كتابه "البخلاء".
الأمان كلمة حمّالة أوجه، ولها انطباعات مختلفة باختلاف البيئة والنفوس والأفراد، بعضا قد يرى الأمان في سقف يأويه، أو لقيمات يتقوى بها ، أو لباس يستره، أو علم يزنه بين الخلائق، أو مال يكن له مجناً بين الدروب، وغيرهم كثر برؤى مختلفة، وكيف يستوي كل أولئك في خندق واحد سواء، الإشباع النفسي والجسدي وجهان لعملتين مختلفتين ، واستشعار الأمان الوجه الثاني لكلتيهما، واستثمار المؤسسات والمجتمعات في ذاك الوجه على تحديده له أثر كبير في نمو الجانب الآخر بشكل إيجابي، كافة المجتمعات تراها تحارب الشاذ بينها والغير متسق بشكل أو بآخر كما أشار "هربرت جورج ويلز" في روايته " بلدة العميان" ، فلفظ المجتمع لكل مختلف عنهم في الشكل أو الطباع، كما ترى أهل الجنوب في كل بلدان العالم وتعاملهم مع الغريب، كافة القرى بكل الدول سواء، تلفظ الغريب وتستشعر التهديد منه، فيفقد الأمان من كثرة التحديق والتحقيق، وهكذا يكون المرء حديث العهد بالعمل والمؤسسات، تحت الاختبار والرقابة والمراقبة فترة طويلة ، لإن لم يكن ثابت الجنان وراسخ النفس تشتت وهوى في غيابات جُب سحيق أنهى مسيرته قبل أن تبدأ، وهنا يتوجب علينا السؤال؛ هل الإنتماء النفسي أهم أم المهارات الفردية ، هل ضمان المرء لما تحصل عليه له نفع أم ضرر، وكيف تتعامل المؤسسات والمجتمعات مع التباين الفردي؟






