” تشكيلة الشرف.. أسماء أساطير الرياضة الذين ارتدوا الزي العسكري في 6 أكتوبر”
أُلغيت المباراة وانتصر الوطن.. قصة مواجهة ”المحلة والطيران” وخطة الخداع الاستراتيجي
حين تعزف الملاعب لحن الوطن، تصبح الرياضة أكثر من مجرد منافسة، وتتحول أسماء اللاعبين إلى صفحات مضيئة في سجل التاريخ.
وفي السادس من أكتوبر عام 1973، لم تكن الرياضة المصرية بعيدة عن لحظة العبور؛ فقد تزامن اندلاع حرب أكتوبر مع استمرار النشاط الرياضي في ذلك اليوم، ومن أشهر الوقائع التي ارتبطت بهذه اللحظة مباراة غزل المحلة والطيران التي أقيمت على ملعب الترسانة، قبل أن تتوقف المسابقات الرياضية وتتفرغ الدولة لمعركة الوطن.
وفي الوقت نفسه، كان عدد من نجوم الرياضة المصرية يؤدون واجبهم العسكري، بعدما ارتدوا الزي العسكري وشاركوا في حرب أكتوبر، ليجمعوا بين النجومية في الملاعب والواجب الوطني على الجبهة.
مباراة غزل المحلة والطيران.. كرة القدم في قلب لحظة العبور
تُعد مباراة غزل المحلة والطيران من أشهر المباريات التي ارتبطت بذكريات حرب أكتوبر.
وأقيم اللقاء ظهر يوم 6 أكتوبر 1973 على ملعب الترسانة، ضمن مباريات الدوري المصري موسم 1973-1974، في وقت كانت فيه القوات المسلحة المصرية قد بدأت بالفعل تنفيذ عملية العبور لقناة السويس.
وتختلف الروايات المنشورة حول التفاصيل الدقيقة لنتيجة المباراة؛ فهناك روايات أشارت إلى تقدم الطيران ثم تعادل غزل المحلة، بينما أكد اللاعب عمر عبد الله في شهادته أن الشوط الأول انتهى بالتعادل السلبي.
ولهذا فإن الأدق تاريخيًا عدم الجزم بنتيجة واحدة للمباراة، خاصة أن شهادات اللاعبين والمصادر الصحفية اختلفت في هذه النقطة.
لكن الواقعة التي تتفق عليها الشهادات هي أن أجواء المباراة تغيرت بصورة واضحة بعد وصول أخبار العبور إلى الجماهير واللاعبين.
فقد بدأت جماهير غزل المحلة في الهتاف للاعبي الطيران، وهو أمر أثار استغراب لاعبي الفريق في البداية، قبل أن تتضح دلالة الهتافات باعتبارها تحية للقوات الجوية والقوات المسلحة المصرية في اللحظات الأولى للحرب.
وبينما ارتبط استمرار النشاط الرياضي آنذاك بروايات تتحدث عن الخداع الاستراتيجي وإظهار استمرار الحياة الطبيعية في مصر، فإن بعض اللاعبين الذين شاركوا في المباراة أكدوا أنهم لا يستطيعون الجزم بأن المباراة نفسها كانت جزءًا مباشرًا من خطة عسكرية بهذا المعنى.
ومع تصاعد أحداث الحرب، توقف النشاط الرياضي، وأُلغيت مسابقة الدوري في ذلك الموسم، لتتجه البلاد بكامل طاقتها إلى معركة الوطن.
من نجوم الملاعب إلى أبطال الجبهة
لم يكن غزل المحلة والطيران وحدهما في قلب هذه القصة؛ فقد كان عدد من نجوم الرياضة المصرية يؤدون في الوقت نفسه واجبهم العسكري، بعدما التحقوا بالقوات المسلحة أو تم استدعاؤهم للخدمة.
ومن أبرز هؤلاء:
محمود الجوهري.. "الجنرال" الذي جمع بين الكرة والجيش
كان محمود الجوهري أحد أبرز نجوم الكرة المصرية، قبل أن يصبح واحدًا من أشهر المدربين في تاريخ مصر.
وخلال خدمته بالقوات المسلحة، شارك في حرب أكتوبر، وكان ضابطًا في سلاح الإشارة، ثم ارتقى في الرتب العسكرية حتى وصل إلى رتبة عميد، وهو ما ارتبط باللقب الشهير الذي عُرف به لاحقًا: "الجنرال".
وهكذا أصبح الجوهري نموذجًا لرياضي جمع بين الانضباط العسكري والنجاح الرياضي، قبل أن يكتب اسمه لاحقًا في تاريخ الكرة المصرية كمدرب.
حمادة إمام.. نجم الزمالك على الجبهة
كان حمادة إمام أحد أشهر نجوم نادي الزمالك والكرة المصرية، لكنه كان أيضًا ضابطًا بالقوات المسلحة.
تخرج إمام في الكلية الحربية، وخدم بالقوات المسلحة، وشارك في حرب أكتوبر، قبل أن ينهي خدمته العسكرية برتبة عقيد.
وبعد سنوات، ظل اسمه حاضرًا في الرياضة المصرية لاعبًا ومعلقًا وإعلاميًا، لكنه احتفظ دائمًا بصفته أحد أبناء القوات المسلحة الذين شاركوا في حرب أكتوبر.
سمير زاهر.. من الأهلي إلى جبهة القتال
الراحل سمير زاهر، نجم النادي الأهلي السابق ورئيس اتحاد الكرة المصري فيما بعد، كان من الرياضيين الذين التحقوا بالقوات المسلحة بعد نكسة 1967.
وخلال فترة خدمته العسكرية، شارك في حرب أكتوبر ضمن القوات المصرية، ليصبح واحدًا من الأسماء الرياضية التي جمعت بين ممارسة كرة القدم وأداء الواجب الوطني.
محمود بكر.. من حراسة المرمى إلى الاستطلاع
الراحل محمود بكر، نجم النادي الأوليمبي والمعلق الرياضي الشهير، كان أيضًا أحد المشاركين في الخدمة العسكرية.
والتحق بكر بالقوات المسلحة عقب عام 1967، وخدم في سلاح الاستطلاع ضمن قوات المشاة، وظل على الجبهة، وشارك في حرب أكتوبر.
وبعد انتهاء مسيرته العسكرية، عاد إلى الملاعب والإعلام، ليصبح واحدًا من أشهر الأصوات في تاريخ التعليق الرياضي المصري.
صبري سراج.. رياضي فقد ذراعه في سبيل الوطن
ومن الأسماء التي تحمل قصة شديدة الخصوصية اللواء صبري سراج، لاعب كرة السلة السابق بنادي الزمالك، والذي انتقل من الملاعب إلى القوات المسلحة.
وشارك سراج في الخدمة العسكرية خلال فترة الحرب، وتعرض لإصابة بالغة أدت إلى فقد ذراعه، ليصبح اسمه مرتبطًا بقصص الرياضيين الذين دفعوا ثمنًا غاليًا دفاعًا عن الوطن.
فكري صالح.. من حراسة الزمالك إلى الصاعقة
اللواء فكري صالح، حارس مرمى الزمالك السابق وأحد أشهر مدربي حراس المرمى في الكرة المصرية، كان أيضًا ضابطًا بالقوات المسلحة.
وخدم في سلاح الصاعقة، وشارك في حرب أكتوبر، قبل أن يعود إلى المجال الرياضي ويصبح أحد أبرز الأسماء في تدريب حراس المرمى.
عبد العزيز قابيل.. لاعب الزمالك وقائد الفرقة الرابعة المدرعة
ومن أكثر القصص اللافتة قصة اللواء محمد عبد العزيز قابيل، الذي لعب للزمالك في خمسينيات القرن الماضي قبل أن يصبح واحدًا من كبار قادة القوات المسلحة.
وخلال حرب أكتوبر، تولى قيادة الفرقة الرابعة المدرعة، وكان له دور بارز في العمليات العسكرية، وحصل على وسام نجمة الشرف العسكرية تقديرًا لدوره وبطولاته.
وهكذا انتقل قابيل من الملاعب إلى مواقع القيادة العسكرية، ليصبح أحد أبرز النماذج التي جمعت بين الرياضة والعمل العسكري.
هاني سرور.. حارس الاتحاد على موعد مع العبور
ومن بين الرياضيين الذين شاركوا في الحرب أيضًا هاني سرور، حارس مرمى الاتحاد السكندري السابق.
وتم استدعاؤه للخدمة العسكرية قبل العبور بنحو خمسة أيام، ليجد نفسه أمام واحدة من أهم اللحظات في تاريخ مصر الحديث، ويشارك مع القوات المسلحة في معركة العبور.
عندما أصبحت البطولة أكبر من الملعب
لم تكن حرب أكتوبر مجرد لحظة عسكرية في تاريخ مصر، بل كانت اختبارًا شارك فيه أبناء الوطن من مختلف المجالات.
ومن بين هؤلاء الرياضيون الذين تركوا الملاعب مؤقتًا، وارتدوا الزي العسكري، وحملوا مسؤولية الدفاع عن الوطن.
وبينما بقيت مباراة غزل المحلة والطيران واحدة من أشهر الحكايات الرياضية المرتبطة بيوم السادس من أكتوبر، فإن القيمة الحقيقية لهذه القصة تتجاوز نتيجة مباراة أو تفاصيل شوط من أشواطها.
ففي ذلك اليوم، أثبت نجوم الرياضة المصرية أن الانتماء للوطن لا يتعارض مع عشق الملاعب، وأن اللاعب الذي اعتاد البحث عن الفوز داخل المستطيل الأخضر يمكن أن يجد نفسه في لحظة تاريخية يؤدي واجبًا أكبر بكثير.
من الملاعب إلى الجبهة.. ظل اسم الرياضة المصرية حاضرًا في سجل انتصارات أكتوبر، وبقيت قصص هؤلاء الرياضيين جزءًا من ذاكرة الوطن.


