النبؤة
كانت "كاسندرا" أميرة طروادة وسليلة الدم الملكي لملكها "بريام"-آخر ملوك طروادة طبقا لـ"الإلياذة"- أثيرة لدى "أبولو" والذي لبى لها رغبتها أن تكون متبصرة ، ولا تعلم سر انقلابها على معبودها الأثير وسخريتها منه، ولا تعلم أيضاً السبب الذي قدر له عدم سلبها المنحة، ولكنه نكاية فيها جعلها مُكذّبة بين الخلائق، فتكمل الأسطورة سرديتها أنها توقعت انهيار "طروادة" ولم تُصدق، وتبصرت حصانها الشهير ورجتهم أن يحرقوه ولكنها كُذّبت، وحتى مقتلها استبصرت به، أنها ستقتل هي و" أجاممنون" ولكنه كذّبها حتى نالا حتفهما سوياً، كما تبصرت.
كانت قبيلة "جديس" بشبه الجزيرة العربية منفوحة بأبصر أهل الأرض وقتذاك،"زرقاء اليمامة" أشهر من روى التاريخ عنه لحدة بصرها،ويقال أنها كانت ترى الشعرة البيضاء في اللبن وكانت مضرب الأمثال في حدة البصر والتبصر، حتى أنها كانت ترى السائر من مسيرة ثلاثة أيام قبل قدومه، وكان هناك عداء تاريخي بين قبيلة "جديس" وقبيلة "طسم" وقد استعانت الأخيرة بملك حمير لإعانتها، واستطاعت "زرقاء" أن تنبه قومها مرتين قبل الهجوم، وفي المرة الثالثة، أبصرت الشجر يسير إليهم كما نبأتهم، فسخروا منها وأعلنوا أنها خرفة واهمة، حتى باغتتهم "طسم" و"حمير" معاً، وتنتهي الأسطورة بفناء القبيلة واقتلاع عيني "زرقاء".
على مر التاريخ أُكدت كلتا الأسطورتين على نحو لافت في وقائع وتنبؤات علمية محضة، جابه وعانى أصجابها من المتعنتين ،أصحاب المصالح ،والمستنكرين للأمر حتى فوات الأوان ومن ثم يُبكى على اللبن المسكوب، فلم يكن الطبيب " إجناس فيليب" منقذ الأمهات بمنأى عن التكذيب، ولا مهندسو مكوك " تشالِنجر" الشهير ببعيدين عن المصير ذاته، حتى "جيمس هانسن" في وقفته الشهيرة عام 1988 أمام"مجلس الشيوخ الأمريكي" و إعلانه أن الاحتباس الحراري قد بدأ بالفعل، وئد غعلانه وتصريحه لأصحاب المصالح ، حتى بات مصطلح "تأثير كاسندرا" -ولا نعلم لم توارت "زرقاء اليمامة" عن الأنظار في هذا المقام- مصطلحا دارجاً في علم النفس التنظيمي ، في نفس العام من تصريح "هانسن"، عقب إصدار كتاب "لوري شابيرا" واستخدامها الأسطورة معيارا وقياسا لتحليل أنماط العلاقات الإنسانية.
لم يقم علم النفس التنظيمي متفردا بتبني هذا المصطلح ، بل شاركته العديد من العلوم في اقتباسه ،على رأسها "إدارة المخاطر"،"الأمن القومي" و"دراسات القيادة وإدارة الأزمات"، وقد بُنيت لتلافي ما بعد الكارثة بشكل أو بآخر، وانطلقت المنهجية النفسية لهذه الظاهرة من قاعدة واقعية ومبسطة " المرء لا يرى المستقبل"، إنما هناك خبرات تراكمية وحس تحليلي وربط للمعلومات، كما كان يفعل "سير أرثر كونان دويل" في رواياته الشهيرة، بناءاً على ذلك تُستنبط الأنماط وتُبنى الاحتمالات وتُستخلص العلاقات السببية في نموذج ذهني متكامل.
وتبدأ الفاجعة حين ينشر الخبير/ أو المتبصر الحكيم رؤيته : }توالي هذه الأنماط أو استمرار تلكم المؤشرات يُفضي إلى كارثة{، بيد أن الوعي الجمعي المبني بالمقام الأول على الانحياز يقف حائلاً دون الإصغاء، فمثلا بعض المجتمعات تتبنى الانحياز للوضع القائم لمعتقد "لا شيء سيحدث"، أو الانحياز الإيجابي"السيئ يحدث للآخرين وليس لنا"، أو الرفض العقلي لقوة التحذير، أو يخضع لسلطان أصحاب المصالح المؤثرين، تدق الساعة وقتها لدفن هذه الأصوات مبكراً وتُكذب كما كانت "كاسندرا".
ولذلك ترى أصحاب النبؤة ينعزلون، ينسحبون مجتمعياً، يتخذون حذرهم وحدهم ، حتى تخرج نبؤتهم من مجرد تصورات ذهنية إلى دائرة الواقع الملموس ، وقت غرق السفينة التي لطالما نبهوا رُبانها وبحارتها عن فئرانها، فقط وقتذاك ترى المجتمع مهرولاً إليهم طالباً العون والغوث، ويُدرك الاستبصار جليا في نبؤات الحيوانات والطيور للكوارث الطبيعية فهي لا تتبصر ولكن تهديهم غرائزهم لاستشعار الخطر، ولهذا باتت محط أنظار العلماء في أبحاث التنبؤ بالكوارث الطبيعية، لكن هل يُنظر بعين الأعتبار لأولئك الذين خبّروا ،نبهوا عن المستقبل في رأي، أو رواية ، أو فكرة، أو مقال؟


