مقام السيدة جوهرة كاتمة اسرار السيدة نفيسة العلوم
في قلب القاهرة الإسلامية، وعلى أقدم شارع فيها، شارع سكة المراغة، يقع مقام الست جوهرة خادمة السيدة نفيسة العلوم رضي الله عنها، وهو مقام يعود عمره إلى أكثر من ألف ومائتي عام. وتروي المصادر التراثية، أبرزها كتاب جامع كرامات الأولياء ليوسف النبهاني، أن من كرامات السيدة نفيسة رضي الله عنها أن جاريتها جوهرة خرجت في ليلة مطر شديد لتأتيها بماء للوضوء، فخاضت ماء المطر فلم يبتل قدمها، وهو ما يعكس مكانتها الخاصة ووفائها في خدمة السيدة نفيسة.
وعلى باب المقام نقش كتب محبوها: "هذا مقام السيدة جوهرة الكريمة أمينة أسرار وصاحبة الشورى لحبيبتها السيدة الكريمة نفيسة العلم رضي الله عنهما، وجدة العائلة البرامونية ومشايخ السادة بالطريقة القاسمية الشاذلية البرامونية رضي الله عنهما"، وقد كتب هذا النقش الشيخ محمد عبدالحميد عبدالمجيد البراموني عام 1386 هـ، حفاظاً على ذكرى جدته. ويعتبر السادة البرامونية السلسلة الشريفة للست جوهرة، وقد دفنوا جوار تربتها، بينهم الشيخ عبدالمجيد البراموني بن محمد بن مصطفى البراموني المتوفى سنة 1331 هـ / 1912 م، وولده الشيخ صالح عبدالمجيد البراموني المتوفى سنة 1354 هـ / 1935 م.
وتعاقب السادة البرامونية على مشيخة زاويتهم المعروفة بـ "زاوية كشك" بحي الخليفة، وأوقفوا على الزاوية ومدفنهم أوقافاً جزيلة لدعم المقام والحفاظ على التراث. وفي عام 1386 هـ / 1967 م قام الشيخ محمد عبدالحميد عبدالمجيد البراموني بإعادة إعمار مدفن جدته الست جوهرة وكذلك زاوية كشك، وسجل على واجهتيهما اسمه وتاريخ العمار. ويشير التاريخ إلى أن مشيدو قبة الست جوهرة وأصحاب زاوية كشك ينتسبون إلى القطب الرباني العارف بالله الشيخ محمد بن علي الجزائي القاسمي الملقب بـ "كوجك أو كشك" المتوفى سنة 1170 هـ / 1757 م، وقد تصدر للذكر والتدريس بزاويته على الطريقة القاسمية.
وتوضح الباحثة في التراث المصري سلمي أحمد أن مقام الست جوهرة ليس مجرد مكان دفن، بل يمثل "واحة من الذاكرة الروحية والتاريخية التي تروي حياة خادمة وفية وقريبة من السيدة نفيسة، ويعكس حرص الأجيال على الحفاظ على روابطهم الروحية والثقافية مع أسلافهم"، مشيرة إلى أن الزوار اليوم يجدون في المقام "حاضنة للروحانية الشعبية، حيث يستمر الناس في زيارة المقام وتقديم الزهور والعبادات، تقديراً لمكانة السيدة جوهرة المرموقة في التاريخ ".
وتذكر المصادر التاريخية أن مقام الست جوهرة يُعرف أيضاً باسم "الست جوهرة وسعدونة"، وهو رمز للوفاء والإخلاص في خدمة السيدة نفيسة، كما يعكس أهمية المقامات والزوايا في نقل التراث الروحي والاجتماعي في القاهرة الإسلامية عبر العصور.


