المسحراتي في التراث المصري صوت السحور الذي لا ينام
في ليالي رمضان الهادئة، حين تغفو الشوارع وتخفت الأضواء، يتسلل صوت مألوف إلى البيوت المصرية، صوت يحمل إيقاعًا خاصًا وكلمات موروثة: “اصحى يا نايم وحد الدايم”. إنه صوت المسحراتي، أحد أقدم وأجمل الطقوس الشعبية المرتبطة بالشهر الكريم في مصر، والذي ظل لقرون طويلة جزءًا أصيلًا من الذاكرة الجماعية.
تعود جذور المسحراتي إلى العصور الإسلامية الأولى، حين كان الناس يعتمدون على النداء في الطرقات لإيقاظهم قبل الفجر لتناول السحور. وتشير بعض الروايات إلى أن والي مصر في العصر العباسي، عتبة بن إسحاق، كان يخرج بنفسه ليلاً لإيقاظ الناس للسحور، في مشهد يعكس روح المسؤولية الاجتماعية آنذاك. ومع مرور الزمن، تحولت المهمة إلى وظيفة شعبية ثابتة، وصار لكل حي مسحراتيه المعروف.
في مصر الفاطمية، ازدهرت هذه الظاهرة بشكل لافت، خاصة في عهد الخليفة الحاكم بأمر الله، حيث نُظمت شؤون الليل في القاهرة، وأصبح إيقاظ الناس للسحور عادة مستقرة خلال رمضان. ومنذ ذلك الوقت، ارتبط المسحراتي بشوارع القاهرة القديمة وأزقتها الضيقة، يجوبها بطبلته الصغيرة وعصاه، مرددًا الأدعية والأشعار الشعبية.
لم يكن المسحراتي مجرد منبه بشري، بل كان شخصية اجتماعية قريبة من الناس. يعرف أسماء سكان الحي فردًا فردًا، ويناديهم بأسمائهم، ويخص الأطفال بعبارات محببة تدخل السرور إلى قلوبهم. وكان الأطفال ينتظرونه بشغف، يطلون من النوافذ أو يسيرون خلفه في الشوارع، بينما يردّدون كلماته بإيقاع الطبل. وفي نهاية الشهر، كان المسحراتي يمر لجمع “العيدية” أو “النقوط” تقديرًا لجهده طوال رمضان، في مشهد يعكس روح التكافل الشعبي.
حملت شخصية المسحراتي بعدًا فنيًا أيضًا، فقد دخلت إلى الأغنية والدراما والإذاعة. ويكفي أن نذكر الفنان سيد مكاوي الذي قدّم شخصية “المسحراتي” في الإذاعة المصرية بصوت مميز وأشعار كتبها الشاعر فؤاد حداد، فصار صوت المسحراتي جزءًا من وجدان المصريين حتى عبر الأثير، لا في الشوارع فقط. تحولت الفكرة من مجرد نداء ليلي إلى عمل فني يعكس روح الشهر الكريم وقيمه.
وفي هذا السياق تؤكد الباحثة في التراث المصري سلمي أحمد أن “المسحراتي ليس مجرد شخصية تقليدية لإيقاظ الناس للسحور، بل هو رمز حيّ للتراث الشعبي المصري وروحانية رمضان في الشوارع. صوته يربط بين الأجيال، ويذكّر الجميع بالعادات القديمة التي شكلت هوية المجتمع، ويعكس دفء التواصل بين الجيران والألفة بين الناس”. وتضيف أن “الحفاظ على هذا التقليد وتجسيده في المناسبات الرمضانية يعكس وعي المصريين بأهمية صون التراث غير المادي، وهو جزء من الذاكرة الجماعية التي تمنح رمضان طابعه المميز”.
ومع تطور الزمن وظهور المنبهات والساعات الرقمية والهواتف المحمولة، تراجع الدور العملي للمسحراتي، لكنه لم يختفِ تمامًا. فما زالت بعض الأحياء الشعبية والقرى المصرية تحافظ على هذا التقليد، ولو بشكل رمزي، باعتباره جزءًا من هوية رمضان.
المسحراتي في التراث المصري ليس مجرد رجل يوقظ النائمين، بل هو شاهد على تطور المجتمع، وعلى قدرة المصريين على الحفاظ على طقوسهم الشعبية رغم تغير الأزمنة. وفي كل مرة يتردد فيها نداء “اصحى يا نايم”، يعود رمضان كما عرفه الأجداد، شهرًا تسكنه الروحانية وتزينه العادات التي تمنحه طابعًا مصريًا خالصًا.


