في رحاب رمضان السيدة نفيسة رمز العلم والزهد وفاءً للتاريخ الإسلامي
في كل عام، ومع حلول شهر رمضان المبارك، يرفع المسلمون عيونهم إلى ذكرى وفاة السيدة نفيسة رضي الله عنها، حفيدة الإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما، لتتجلى أمامهم صورة من أرقى صور الورع والتقوى والزهد، وتجربة إنسانية فريدة جمعت بين العلم والعمل والعبادة في قلب امرأة صنعت من حياتها منارة للخير والهداية. ولدت السيدة نفيسة في مكة المكرمة عام 145 هـ، ونشأت في بيت النبي ﷺ من جهة نسبها، في بيئة علمية وروحية عالية، حيث جمعت بين حفظ القرآن الكريم وفهم الحديث والفقه، وبين الورع والزهد والعبادة. ومنذ نعومة أظافرها، كانت حريصة على طلب العلم، وتحولت حياتها إلى مدرسة يُحتذى بها لكل من حولها، حتى غدت مثالًا يُذكر للأجيال القادمة من العلماء والطلاب، رجالًا ونساءً، الذين كانوا يأتون إليها طلبًا للعلم والبركة، ومن بينهم الإمام الشافعي الذي كان يجلها ويستمد بركتها ويستنير بعلمها ويستشيرها في شؤون الدين والفقه.
رحلت السيدة نفيسة إلى مصر في سنة 193 هـ، وقد استقبلها أهل مصر بالترحاب والاحترام عند وصولها إلى القاهرة في 26 رمضان، ووجدوا في بيتها ملاذًا للعلماء والزائرين، وموئلًا للخير والمساعدة. ولم تلبث أن استقرت في عدة منازل قبل أن يمنحها والي مصر دارًا واسعة لتستمر في استقبالاتها اليومية، وقد أبدت الزهد والورع في كل تصرفاتها، مفضلة عبادة الله على أي زخارف أو متاع دنيا. وكان الناس يأتون إليها طلبًا للنصح والبركة، وبلغت قدسيتها في قلوب المصريين أبعادًا روحية وعلمية لا يمكن تجاهلها.
عرفت السيدة نفيسة رضي الله عنها بالحرص الشديد على القرآن الكريم، وقد ختمته مرات عديدة، وصل بعضها إلى ألف وتسعمائة ختمة، وكانت كثيرًا ما تُغشى عليها خشية من الله، وتبكي خشية أن يفرط قلبها في الذكر أو العبادة. كما حجّت أكثر من ثلاثين مرة، معظمها ماشية، وظلت تصلي الليل بالتضرع والتهجد، وتحرص على الصيام والنوافل، وقد حفرت قبرها بيدها لتصلي فيه وتقرأ القرآن، فكانت حياتها كلها عبادة وذكرًا وخدمة لله وللناس، وأثنى عليها المترجمون بجميل الأوصاف، ووصفوها بأنها نفيسة الدارين والطاهرة والعابدة والمصرية، درة ثمينة بين المصريين، يلوذ إليها الناس في المحن والشدائد، ويستمدون منها الهدى والبركة.
وفي شهر رمضان المبارك من سنة 208 هـ، أصابها المرض حتى احتضرت، وظلت صائمة رغم المرض الشديد، تقول: "لقد أسأل الله منذ ثلاثين سنة أن يقبضني وأنا صائمة"، حتى وافتها المنية وهي تلازم عبادة الله وقراءة القرآن، حين قرأت قوله تعالى: "لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون"، فانتقلت روحها الطاهرة إلى بارئها، وبكى أهل مصر عليها بحرقة، وصلوا عليها في مشهد عام حافل لم ير مثله من قبل، ودفنت في قبرها الذي حفرت بيديها في بيتها بدرب السباع بالمراغة، وأصبح ضريحها اليوم من أبرز الأضرحة في مصر، يقصده الزائرون من كل مكان، ويحيون فيه الذكرى السنوية لتعلم التقوى والعلم والعبادة.
تبقى السيدة نفيسة رضي الله عنها عبر التاريخ رمزًا للعلم والعمل والزهد، ودرسًا حيًا في الوفاء لله، وفي الحرص على طاعته، وتجسيدًا حيًا للعبادة والإيمان، وما زال ذكرها يُحيي القلوب في كل عام مع رمضان، ملهمًا الأجيال على أن يكون السعي في طلب العلم والورع والتقوى طريقًا للنور والبركة والرضا الإلهي، وأن الكمال الحقيقي لا يُقاس بزخارف الدنيا وإنما بالإخلاص لله والسعي في مرضاته، وتظل السيدة نفيسة منارة للخير والقدوة في مصر والعالم الإسلامي كله.


