فانوس رمضان في مصر ضوء يتوارثه الأجيال و يضيء الشوارع و القلوب
مع حلول شهر رمضان في مصر، تتغير الحياة اليومية بشكل لافت، فتكتسي الشوارع والأزقة ألوانًا متوهجة تعكس روح الاحتفال والبهجة الرمضانية. الفانوس، ذلك الرمز البسيط في شكله والمعقد في معانيه، يصبح جزءًا لا يتجزأ من المشهد الرمضاني، يحمل بين ألوانه وأشكاله إرثًا ثقافيًا يمتد لقرون، ويعكس الروح الاجتماعية والروحانية للشهر الكريم. ليس الفانوس مجرد قطعة زخرفية، بل هو رمز يربط بين الماضي والحاضر، بين التراث الشعبي والاحتفالات الحديثة، بين الأجيال في مصر.
تعود جذور الفانوس في التراث المصري إلى العصر الفاطمي، حين خرج الأهالي حاملين المشاعل والفوانيس لاستقبال الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، ليصبح هذا التقليد بداية لتاريخ طويل من الاحتفال الرمضاني. ومع مرور الوقت، لم يعد الفانوس مجرد وسيلة لإضاءة الطريق ليلاً، بل أصبح رمزًا للفرح والبهجة، وساعد في خلق لحظات من التلاقي الاجتماعي، حيث يحمل الأطفال فوانيسهم في الشوارع، يرددون الأغاني الرمضانية، وتكتمل الصورة بأضواء تتناغم مع صلوات المغرب والإفطار، في لوحة تبرز دفء العلاقة بين الناس والمجتمع.
صناعة الفوانيس في مصر تعتبر من أقدم الحرف اليدوية التي ما زالت حية، إذ تنتشر الورش التقليدية في أحياء القاهرة القديمة مثل باب زويلة والموسكي والسيدة زينب، حيث يعمل الحرفيون على تصنيع الفوانيس التقليدية المصنوعة من النحاس والزجاج الملون، مرورًا بتصاميم حديثة تحمل لمسات كهربائية وألوانًا زاهية، تجمع بين الجمالية التقليدية والتقنيات المعاصرة. هذه الحرفة ليست مجرد مهنة، بل هي نقل للتراث من جيل إلى جيل، تحافظ على الذاكرة الثقافية للشهر الكريم، وتعكس استمرارية الطقوس الاجتماعية في مصر.
تؤكد الباحثة في التراث سلمي أحمد أن الفانوس ليس مجرد أداة للإضاءة أو زينة للبيوت، بل هو رمز للفرح الجماعي والروحانية المرتبطة بشهر رمضان. وتوضح أن الفانوس يخلق لحظات تجمع العائلة والأصدقاء، ويعيد الناس إلى جوهر الشهر الكريم، فهو يعكس الفرحة بالوقت والاهتمام بالمعاني الروحية للصيام. وتضيف سلمي أحمد أن قيمة الفانوس تتجاوز أصله التاريخي لتصبح جزءًا من الذاكرة الشعبية التي تحفظ صور البهجة والفرح الرمضاني الذي يتكرر كل عام، وأن الحفاظ على صناعة الفانوس التقليدية جزء من حماية التراث المصري وربط الماضي بالحاضر.
على الرغم من التغيرات الزمنية والتطور، يظل الفانوس رمزًا خالدًا، فهو ضوء يربط بين الناس ويخلق أجواء من الألفة والاحتفال، ويحمل القصص الرمضانية من جيل إلى جيل. ومع كل ليلة من ليالي الشهر الفضيل، تتجدد ذكريات الفانوس، ليصبح عنصرًا أساسيًا في الاحتفاء بشهر الصيام، يحمل روح الفرح والبهجة والروحانية التي تميز مصر عن غيرها من البلدان، ويؤكد أن التراث الشعبي قادر على البقاء حيًا ومتجددًا مهما تغيرت الظروف والأزمان.
في النهاية، يمكن القول إن فانوس رمضان في مصر ليس مجرد تقليد قديم، بل هو رمز للفرح والتلاحم الاجتماعي والروحانية الرمضانية، يعكس ذاكرة تاريخية وثقافية تتوارثها الأجيال، ويظل جزءًا من الهوية المصرية التي تجمع بين التراث والحداثة، بين الماضي والحاضر، وبين الناس وشهر رمضان المبارك.


