مدفع رمضان في مصر حكاية صوتٍ صار جزءًا من روح الشهر الكريم
حين يهبط المساء على القاهرة وتتدرج السماء بين ألوان الغروب، يظل المصريون، رغم اختلاف أماكنهم وأعمارهم، على موعد مع صوتٍ ارتبط بوجدانهم عبر قرون طويلة: مدفع رمضان. ذلك الدويّ الذي كان يومًا وسيلة عملية لإعلام الصائمين بموعد الإفطار، تحوّل مع الزمن إلى طقس شعبي وروحاني يحمل في صداه ذاكرة مدينة كاملة.
تعود الحكايات الأولى لمدفع رمضان في مصر إلى العصر المملوكي، وبالتحديد إلى عهد السلطان سيف الدين خوشقدم في القرن الخامس عشر. وتروي إحدى الروايات الشائعة أن السلطان كان يجرب مدفعًا جديدًا عند غروب أول أيام رمضان، فانطلقت القذيفة مصادفة مع أذان المغرب. ظنّ الناس أن السلطان تعمّد إطلاق المدفع إعلانًا لوقت الإفطار، فخرجوا يشكرونه على هذه المبادرة. أعجب السلطان برد الفعل الشعبي، وأمر بتكرار إطلاق المدفع يوميًا عند المغرب طوال الشهر الكريم، لتبدأ بذلك عادة استمرت قرونًا.
وتذهب روايات أخرى إلى أن الأمر تجدد في عهد محمد علي باشا في مطلع القرن التاسع عشر، حين أُطلق مدفع بالخطأ وقت الغروب، فاستحسن الناس الفكرة، لتتحول إلى تقليد رسمي. كما تُنسب بعض الحكايات إلى عصر الخديوي إسماعيل، حيث ارتبط المدفع باسم “الحاجة فاطمة” نسبة إلى الأميرة فاطمة إسماعيل التي يُقال إنها أيدت استمرار إطلاقه بعد حادثة مشابهة. وبين هذه الروايات المتعددة، يبقى المؤكد أن المصريين تبنّوا الفكرة سريعًا، وأضفوا عليها طابعًا احتفاليًا جعلها جزءًا من هوية رمضان في مصر.
قبل انتشار الساعات الدقيقة ووسائل الإعلام الحديثة، كان صوت المدفع وسيلة فعالة تصل إلى مسافات بعيدة، خاصة في مدينة واسعة مثل القاهرة. لم يكن الجميع يمتلك ساعة، ولم تكن مكبرات الصوت قد غزت المساجد بعد، فكان دويّ المدفع بمثابة إعلان رسمي ينتظره الصائمون بلهفة. ومع أول طلقة، تمتد الأيدي إلى أكواب الماء والتمر، وتتعالى في البيوت دعوات الحمد والشكر.
ارتبط إطلاق المدفع في القاهرة لسنوات طويلة بموقع قلعة صلاح الدين الأيوبي، حيث كان يُنصب في مكان مرتفع يسمح بوصول صوته إلى أرجاء واسعة من العاصمة. وجود المدفع في القلعة منح المشهد بعدًا رمزيًا، فالمكان نفسه شاهد على عصور متعاقبة من تاريخ مصر، وصار صوت المدفع جزءًا من المشهد البصري والسمعي للمدينة القديمة.
ومع تطور الزمن وتغير أنماط الحياة، تراجع الدور العملي للمدفع. ظهرت الإذاعة ثم التلفزيون، وأصبح أذان المغرب يُبث في كل بيت، بل وفي الهواتف المحمولة. وفي أوائل التسعينيات توقف إطلاق المدفع فعليًا من القلعة حفاظًا على المباني الأثرية من تأثير الاهتزازات، لكن حضوره لم يغب عن الذاكرة. ظل المصريون يسمعون صوته عبر شاشات التلفزيون في اللحظة نفسها التي يؤذن فيها المغرب، وكأن الدولة أرادت أن تحافظ على الطقس ولو بصورة رمزية.
وفي هذا السياق تؤكد الباحثة في التراث المصري سلمي أحمد أن مدفع رمضان “ليس مجرد وسيلة تقليدية للإعلان عن الإفطار، بل هو أحد الرموز السمعية التي شكّلت الوعي الجمعي للمصريين عبر مئات السنين”. وتوضح أن استمرار هذا الطقس، حتى في ظل التطور التكنولوجي، يعكس تمسك المجتمع المصري بتراثه غير المادي، مشيرة إلى أن “صوت المدفع يختزن في ذاكرة الناس مشاهد البيوت القديمة، ولمّة الأسرة، وانتظار الأطفال للحظة الإفطار، وهو ما يمنحه قيمة ثقافية تتجاوز وظيفته الأصلية”.
وتضيف سلمي أحمد أن الحفاظ على مدفع رمضان وإحيائه في المناسبات يعكس وعيًا بأهمية صون الطقوس الشعبية باعتبارها جزءًا من الهوية الوطنية، مؤكدة أن “التراث لا يُقاس بمدى الحاجة العملية إليه، بل بقدرته على ربط الأجيال ببعضها البعض”.
مدفع رمضان في مصر ليس مجرد أداة عسكرية تحولت إلى وسيلة إعلان، بل هو مثال على قدرة المجتمع المصري على تحويل المصادفة إلى تقليد، والتقليد إلى رمز ثقافي. إنه صوت يحمل في طياته روح المشاركة؛ لحظة تتوحد فيها المدينة كلها على توقيت واحد، مهما اختلفت ظروف الناس وأحوالهم.
ومع كل غروب في رمضان، سواء سُمع صوت المدفع من القلعة أو عبر شاشة تلفزيون، يبقى الإحساس واحدًا: أن هذا الصوت القديم ما زال قادرًا على أن يجمع القلوب حول مائدة واحدة، ويذكّر المصريين بأن بعض العادات، مهما تغيرت الوسائل، تظل حية ما دام لها مكان في الوجدان.


