google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
الخميس 20 أغسطس 2026 02:46 صـ 5 ربيع أول 1448 هـ
 أنباء اليوم
رئيس التحريرعلى الحوفي
برشلونة يتوج بكأس خوان غامبر بعد الفوز على الأهلي بثنائية لهدف شركة Exits MENA والإدارة المحلية لـ ACE تستحوذان بالكامل على Avanz Capital Egypt في صفقة تتجاوز 7 أرقام الداخلية : كشف ملابسات مقطع فيديو قيام أحد الأشخاص بتعاطي المواد المخدرة أمام أحد المنازل بالجيزة التعليم العالي تعلن نتائج المرحلة الثانية لتنسيق طلاب الثانوية العامة بنظاميها (الحديث - القديم) الدور الأول 2026 عموتة يعلن تشكيل الأهلي لمواجهة برشلونة الودية بعثة الأهلي تصل إلى ملعب سبوتيفاي كامب نو لمواجهة برشلونة مالك نادي المغرب الفاسي يزور بعثة الأهلي قبل لقاء برشلونة برشلونة في مواجهة الأهلي في بطولة كأس جامبر ” بالكامب نو ” برشلونة في مواجهة الأهلي في بطولة كأس جامبر ” بالكامب نو ” «Q Developments» تبدأ تسليم وحدات «Q North» قبل مواعيدها بعام.. وتكشف عن محفظة أراضٍ بـ22 مليار جنيه بعثة الأهلي تغادر إسبانيا عقب مباراة برشلونة تصميم أزياء بعثة مصر المشاركة في دورة ألعاب البحر المتوسط Taranto 2026” صور”

مدفع رمضان في مصر حكاية صوتٍ صار جزءًا من روح الشهر الكريم

صورة توضيحية
صورة توضيحية

حين يهبط المساء على القاهرة وتتدرج السماء بين ألوان الغروب، يظل المصريون، رغم اختلاف أماكنهم وأعمارهم، على موعد مع صوتٍ ارتبط بوجدانهم عبر قرون طويلة: مدفع رمضان. ذلك الدويّ الذي كان يومًا وسيلة عملية لإعلام الصائمين بموعد الإفطار، تحوّل مع الزمن إلى طقس شعبي وروحاني يحمل في صداه ذاكرة مدينة كاملة.

تعود الحكايات الأولى لمدفع رمضان في مصر إلى العصر المملوكي، وبالتحديد إلى عهد السلطان سيف الدين خوشقدم في القرن الخامس عشر. وتروي إحدى الروايات الشائعة أن السلطان كان يجرب مدفعًا جديدًا عند غروب أول أيام رمضان، فانطلقت القذيفة مصادفة مع أذان المغرب. ظنّ الناس أن السلطان تعمّد إطلاق المدفع إعلانًا لوقت الإفطار، فخرجوا يشكرونه على هذه المبادرة. أعجب السلطان برد الفعل الشعبي، وأمر بتكرار إطلاق المدفع يوميًا عند المغرب طوال الشهر الكريم، لتبدأ بذلك عادة استمرت قرونًا.

وتذهب روايات أخرى إلى أن الأمر تجدد في عهد محمد علي باشا في مطلع القرن التاسع عشر، حين أُطلق مدفع بالخطأ وقت الغروب، فاستحسن الناس الفكرة، لتتحول إلى تقليد رسمي. كما تُنسب بعض الحكايات إلى عصر الخديوي إسماعيل، حيث ارتبط المدفع باسم “الحاجة فاطمة” نسبة إلى الأميرة فاطمة إسماعيل التي يُقال إنها أيدت استمرار إطلاقه بعد حادثة مشابهة. وبين هذه الروايات المتعددة، يبقى المؤكد أن المصريين تبنّوا الفكرة سريعًا، وأضفوا عليها طابعًا احتفاليًا جعلها جزءًا من هوية رمضان في مصر.

قبل انتشار الساعات الدقيقة ووسائل الإعلام الحديثة، كان صوت المدفع وسيلة فعالة تصل إلى مسافات بعيدة، خاصة في مدينة واسعة مثل القاهرة. لم يكن الجميع يمتلك ساعة، ولم تكن مكبرات الصوت قد غزت المساجد بعد، فكان دويّ المدفع بمثابة إعلان رسمي ينتظره الصائمون بلهفة. ومع أول طلقة، تمتد الأيدي إلى أكواب الماء والتمر، وتتعالى في البيوت دعوات الحمد والشكر.

ارتبط إطلاق المدفع في القاهرة لسنوات طويلة بموقع قلعة صلاح الدين الأيوبي، حيث كان يُنصب في مكان مرتفع يسمح بوصول صوته إلى أرجاء واسعة من العاصمة. وجود المدفع في القلعة منح المشهد بعدًا رمزيًا، فالمكان نفسه شاهد على عصور متعاقبة من تاريخ مصر، وصار صوت المدفع جزءًا من المشهد البصري والسمعي للمدينة القديمة.

ومع تطور الزمن وتغير أنماط الحياة، تراجع الدور العملي للمدفع. ظهرت الإذاعة ثم التلفزيون، وأصبح أذان المغرب يُبث في كل بيت، بل وفي الهواتف المحمولة. وفي أوائل التسعينيات توقف إطلاق المدفع فعليًا من القلعة حفاظًا على المباني الأثرية من تأثير الاهتزازات، لكن حضوره لم يغب عن الذاكرة. ظل المصريون يسمعون صوته عبر شاشات التلفزيون في اللحظة نفسها التي يؤذن فيها المغرب، وكأن الدولة أرادت أن تحافظ على الطقس ولو بصورة رمزية.

وفي هذا السياق تؤكد الباحثة في التراث المصري سلمي أحمد أن مدفع رمضان “ليس مجرد وسيلة تقليدية للإعلان عن الإفطار، بل هو أحد الرموز السمعية التي شكّلت الوعي الجمعي للمصريين عبر مئات السنين”. وتوضح أن استمرار هذا الطقس، حتى في ظل التطور التكنولوجي، يعكس تمسك المجتمع المصري بتراثه غير المادي، مشيرة إلى أن “صوت المدفع يختزن في ذاكرة الناس مشاهد البيوت القديمة، ولمّة الأسرة، وانتظار الأطفال للحظة الإفطار، وهو ما يمنحه قيمة ثقافية تتجاوز وظيفته الأصلية”.

وتضيف سلمي أحمد أن الحفاظ على مدفع رمضان وإحيائه في المناسبات يعكس وعيًا بأهمية صون الطقوس الشعبية باعتبارها جزءًا من الهوية الوطنية، مؤكدة أن “التراث لا يُقاس بمدى الحاجة العملية إليه، بل بقدرته على ربط الأجيال ببعضها البعض”.

مدفع رمضان في مصر ليس مجرد أداة عسكرية تحولت إلى وسيلة إعلان، بل هو مثال على قدرة المجتمع المصري على تحويل المصادفة إلى تقليد، والتقليد إلى رمز ثقافي. إنه صوت يحمل في طياته روح المشاركة؛ لحظة تتوحد فيها المدينة كلها على توقيت واحد، مهما اختلفت ظروف الناس وأحوالهم.

ومع كل غروب في رمضان، سواء سُمع صوت المدفع من القلعة أو عبر شاشة تلفزيون، يبقى الإحساس واحدًا: أن هذا الصوت القديم ما زال قادرًا على أن يجمع القلوب حول مائدة واحدة، ويذكّر المصريين بأن بعض العادات، مهما تغيرت الوسائل، تظل حية ما دام لها مكان في الوجدان.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0