باب الصحراء آخر الشواهد الحيّة على أبواب الخروج في عمارة مصر الإسلامية
في قلب القاهرة التاريخية، وبجوار تربة السيدة جوهرة خادمة السيدة نفيسة رضي الله عنها، يقف «باب الصحراء» شاهدًا نادرًا على نمط معماري ووظيفي ارتبط بتاريخ المدينة الإسلامية، حيث لم تكن الأبواب مجرد عناصر دفاعية، بل علامات طريق، ومعابر للروح والعمران معًا. ويُعد هذا الباب آخر باب صحراء باقٍ في عمارة مصر الإسلامية، يحتفظ بملامحه ودلالته رغم تعاقب القرون.
يطلق اسم «باب الصحراء» على الأبواب التي كانت تفضي إلى خارج المدينة وإلى الصحراء، ومنها كانت تنطلق الطرق المؤدية إلى الجبانات والمزارات، وتعبر منها المواكب، ويهتدي بها السائرون كعلامات إرشادية واضحة في النسيج العمراني. ويقع باب الصحراء القائم اليوم مجاورًا لتربة الست جوهرة، في الجهة التي يمر بها الزائر في شارع السيدة نفيسة متجهًا إلى مسجدها الشريف، في موضع بالغ الدقة والدلالة.
وقد ورد ذكر باب الصحراء بوضوح في المصادر التراثية، حيث يذكر شمس الدين بن الزيات، المتوفى سنة 814هـ، في كتابه «الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة»، الذي وضعه كدليل يهتدي به الزائر لزيارة قبور الأوائل والصالحين، تحديدًا دقيقًا لموضع الباب وما يجاوره من معالم، فيقول:
«…وعند الخروج من الباب الشرقي للسيدة نفيسة رضي الله عنها قاصدًا إلى باب الصحراء، تجد على يسارك تربة السيدة جوهرة خادمة السيدة نفيسة رضي الله عنها، ثم تمشي من باب الصحراء على يسارك قليلاً تجد…».
وهو نص يكشف عن الدور الإرشادي للباب، ويؤكد ارتباطه المباشر بمقام السيدة نفيسة ومحيطها الروحي.
ولم يكن باب الصحراء مجرد ممر، بل كان عنصرًا فاعلًا في إدارة المدينة وأمنها. ففي أوقات الفتن والاضطرابات، كانت هذه الأبواب تُغلق، كما يذكر المقريزي في كتابه «اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا»، مشيرًا إلى ما شهدته مصر من اضطرابات في بعض المناسبات، خاصة في العصرين الإخشيدي والكافوري، حيث يقول:
«وكانت مصر لا تخلو من الفتن في يوم عاشوراء عند قبر كلثم وقبر نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب في الأيام الإخشيدية والكافورية، حتى كان كافور الإخشيد – 323هـ / 934م – يوكل بأبواب الصحراء ويمنع الناس من الخروج».
وهو ما يبرز الدور السياسي والأمني لهذه الأبواب، باعتبارها نقاط تحكم في حركة الناس والمدينة.
وعلى المستوى المعماري، يحتفظ باب الصحراء بعناصر فنية نادرة، أبرزها الأفريز الحجري الذي يعلوه، وهو شريط زخرفي بالغ الجمال، يتخذ شكلًا هرميًا في أعلاه، ويمنحنا نموذجًا حيًا لما كانت عليه «أبواب الصحراء» في عمارة القاهرة الإسلامية المبكرة، من حيث البساطة المهيبة والتعبير الرمزي عن العبور والخروج.
وفي هذا السياق، تؤكد الباحثة في التراث المصري سلمى أحمد أن باب الصحراء «ليس مجرد بقايا معمارية، بل وثيقة حجرية تعكس فلسفة المدينة الإسلامية، حيث تتجاور الوظيفة العملية مع الدلالة الروحية. فوجود الباب بجوار مقام السيدة جوهرة ومحيط السيدة نفيسة يوضح كيف كانت طرق الخروج من المدينة مرتبطة بالزيارة والذاكرة الدينية، وليس فقط بالحركة والعمران». وتضيف أن «الحفاظ على باب الصحراء هو حفاظ على نموذج فريد من أبواب القاهرة التي اندثرت، وعلى جزء أصيل من خريطة الوعي التاريخي للمدينة».
يبقى باب الصحراء، بما يحمله من نصوص تاريخية وشواهد معمارية، علامة فارقة في فهم تطور القاهرة الإسلامية، ودليلًا على أن المدينة لم تكن مغلقة على ذاتها، بل كانت منفتحة على الصحراء، وعلى طرق الزيارة، وعلى عالمٍ أوسع، تعبره المواكب، ويهتدي فيه السائر، وتحرسه الذاكرة.


