موجة حنين
حين بدأت الشمس تضمّ أشعتها إلى قلب الغروب، وتمضي على مهلٍ نحو الغياب.
وقفتُ أمام البحر،
أحاكيه: كم اشتقت اليك...
أسأله عن أسراري ،فأبى أن يُلقيِ ولو نظرة إلىّ ظلّ صامتًا،فقط يُرسل الموج الغاضب نحوي ثم يسحبه، متردداً ما بين العتاب والصفح.
هَمستُ له همسةٌ دافئه علّه يسمع مني ويرضى:
أعلم أنك غاضب مني، فأمواجك تحمل لي من العتاب مايكفي ،
فمتى تسامحني؟
ومتى تصفح عني!
دعني أستعيد ذكرياتي تلك التي خبأتها في أعماقك؟
أيا بحرُ، أنتَ وحدك من يعرف حكاياتي،كم مرة جئتُ إليك أرجِفُ من وجعِ ِ،فأنتَ ملاذي حين تضيق بي الأيام. بابك مفتوح دوما للحيارى بلا قيود.....
أترك العنان لأوجاعي وجل أسراري تسبح فيك، فأمواجك تعرف كيف تُربّتُ على روحي دون أن تسألني.
والآن، والعمر ينساب مسرعاً من بين ثنايا الزمن، أقف أمامك وأسألك:
هل ما زلت تحفظ حكاياتي؟
و تصون ذكرياتي ؟
هل مازالت الأماكن التي جمعتني بك تعرف خُطاي، أم أصابها محو الزمانُ كما تمحو أمواجك آثار من يخطو على الرمال؟
ها أنا اقتربُ منك أكثر، هاهي موجة حنين هادئة تتلمس قدماي و كأنها يدٌ تحنو علىّ جاءت لتصالحني.
ابتسمتُ وأردفت:
سامحني فما عدتُ أحتمل العتابُ.
ارتفعت موجة، ثم انحنت عند قدميّ ورحلت…
وكأنها تبشرني بالسماح فالحكايات لا تنتهى إنما تعود عندما يشتاق الفؤاد.
ابتسمتُ والدمع يبلّل عينيّ، وفهمتُ أخيرًا أن السماح لا يحتاج إلى كلمات!
وقفتُ طويلًا أراقبها وهي تبتعد، ثم تعود لتقترب، وتبتعد، وكأن البحر يعلّمني أن الحكايات التي سكنَت القلب لا ترحل مهما باعدت بينها الأيام.
مسحتُ دمعتي، وهمستُ:
سأترك لك أسراري من جديد... فأنت الوحيد الذي لم يخذل حنيني.
بعدها أدرتُ ظهري للشاطئ، لكنني لم أقوى على أن أتركه خلفي...
فقد حملتُ البحر في قلبي، وحملتُ معه كل ما خبّأته ذات يوم بين أمواجه؛ ضحكةً، ودمعةً، وذكرى، وحبًّا لا يُنسى.












