الرعـب .. بقلم/ كريم جلال
منذ بدء الحضارة وهناك دوما تلك الأسطورة، التي تتحدث عن وحش، غول، قناص مشوه لا يُشقّ له غبار، فارس بلا رأس، يقنص الفتية، الفتيات، الرجال، النساء، في كل الأمم تجد أسطورة عن وحش ليلي، عن متحول لذئب، لكيان مخيف، موروث في مخيلة البشر لعل أصله كائن في أمر توارى بالحجب بعد حين، لكن لم يتوار كليا، فهو عالق بالأذهان وكل مجتمع قد بلوره برؤية خاصة واستيعاب متوائم مع مجتمعه صحراوياً ، جليديً أو زراعياً كان ، فانظر إلى "النداهه" في الريف، وال"يتي" في الجليد، والغول في الصحراء، مصاص الدماء في أوروبا، أو ال"يوكاي" في الشرق الأقصى.
مع منتصف القرن الثامن عشر، بدأت الأساطير تتخذ منحى أكثر رعبا، لم يعد فزع الموت والوحش المخيف فقط هو المسيطر، بل تلك الآلات المخيفة التي تسير ، وتحمل البشر، حتى انتشر رعب في بعض البلدان من ركوب السيارات لأنها مخلوقات شيطانية، وادعى البعض أن المحرك البخاري قد ظهر فجأة للبشر وليس نتاج تطور ميكانيكي على عدة مراحل، و تلك الماكينات التي كسدت من وراءها آلاف الأيدي العاملة، تسكنها الأشباح وتحركها وتصعق كل من يحاول أن يسبر أغوارها، بل وانتشرت بعض الروايات أنها أكلت من حاول إيقافها لتفادي البطالة المتفاقمة.
خلال رحلة الانتقال من بدايات الثورة الصناعية الأولى وحتى منتصف الثالثة منها، بات الحاسوب محوراً أساسيا للعمل، ولأنه آلة لا تركد ولا تكل ، باتت الأساطير في العمل موائمة لذاك الوحش المخيف، فهو لا ينسى ولا يسهو عن معلومة، ويستطيع العمل ليلا ونهارا، وساد الاعتقاد بأن العمل لساعات إضافية طويلة ودون راحة يرفع الإنتاجية،ويحمي العامل من البطالة ، بينما الحقيقة أن الإرهاق يقلل التركيز ويزيد الأخطاء ويكبد المؤسسات والأعمال خسائر فادحة، ويكفي أن يسهو عامل على خط إنتاج عن بعض خطوات الأمان الاعتيادية لتنتهي حياته أو حياة أحد من زملائه، ناهيك عن أن الحاسوب شيطان يسرق البصر، والآلات تجلب المرض- وهو أمر فيه شيء من الصواب صحيا في ارتكان الإنسان إلى الآلة وافتقاره الحركة والنشاط- وتأتي بالوبال.
أما الآن بات المستقبل جليا بتحقق كل أحلام البشر على مر العصور ، ذكاء اصطناعي، رواد أعمال ، سبر أغوار الفضاء ، ويتطور الرعب وتستشري الأسطورة الجديدة، سيسيطر الذكاء الاصطناعي على البشر ويسوقهم، كانت الأفلام محقة في التخيلات، يتجلى الفزع في مقاطع مرئية أغلبها مفبرك ليثير الفزع ويحفز موجات الرعب ، وهو أمر قد تستنكره وترى أنه غير حقيقي، ولكن لم يتكبد المرء ملايين لصناعة فيلم رعب عن شبح أو مخلوق من بعد آخر، ويتكبد المشاهدون ثمن المشاهدة والبقاء لقرابة الساعتين ولعله يزيد لمشاهدة ذلك الرعب؟ الأمر سيان، بيد أن رعب التطور الإلكتروني مصحوب برؤى رواد الأعمال وقدرات البشر المحدودة حاليا، وزوال العديد من المهن مستقبلاً، فهل يبقى الذكاء الاصطناعي جوار الغيلان والمذؤوبين ومصاصي الدماء دون تحقق فعلي؟ أم سنرى ذلك الرعب يتحقق يوما ويتسيد الفزع مستقبل البشر؟







