ومضات من قصص الأنبياء
ومضتنا اليوم الخامس من رمضان هي ومضة
سيدنا ابراهيم عليه السلام
من سؤال واحد ولدت أمة
نشأ إبراهيم في قومٍ اعتادوا السجود لما صنعته أيديهم، يقدّسون الحجر ويخشون الصنم، ويورّثون أبناءهم طقوسًا بلا سؤال.
كان فتى صغير لم يكن، مدجّجًا بالقوة،إنما قلبه كان مملؤا باليقين.
كان يرى ما لا يرونه؛ يرى العجز في عيون الآلهة المصمتة، ويسمع صمتها حين يُسأل الحق.
في الليالي الهادئةكان كثير التأمل والتفكير والبحث فى السماء ، يفتّش عن معنى أكبر من طقوس تُكرَّر بلا روح. كان متمردا عليهم ليس صخبًا، بل سؤالًا صادقًا: كيف يُعبد ما لا يسمع ولا يبصر؟
انتظر إبراهيم يوم عيدهم، يوم خرج القوم فرحين إلى لهوهم. دخل المعبد، ووقف أمام صفّ الأصنام، ساكنةً كما كانت دائمًا. رفع فأسه، لا بدافع كراهية، بل بدافع كشف. حطّمها واحدةً تلو الأخرى، وترك الكبير قائمًا، وعلّق الفأس في عنقه، كأنما يقول: اسألوه إن كان ينطق.
عاد القوم، فهالهم المشهد. ارتفعت الأصوات واتجهت الاتهامات إليه. وقف بينهم هادئًا، لا يراوغ ولا يصرخ، وقال كلمته التي هزّت العقول قبل الجدران: بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون. لحظة صمتٍ قصيرة كشفت الحقيقة؛ عرفوا في أنفسهم أنهم الظالمون،
لم يملكوا حجة، فاستبدلوا المنطق بالنار. أوقدوا نارًا عظيمة ليجعلوا منها نهاية السؤال. ألقوه فيها، ظانّين أن اللهب سيطفئ الفكرة. لكن النار، حين تواجه اليقين، تُؤمر. صارت بردًا وسلامًا، وخرج إبراهيم منها كما دخل: ثابتًا، لكن العالم من حوله لم يعد كما كان.
لم يكن وحده لأنه بلا أنصار، بل لأنه سبق زمنه. وقف فردًا، فصار موقفه أمة. علّمهم وعلّمناأن الحق لا يُقاس بالكثرة، وأن السؤال الصادق بداية النجاة، وأن الثبات حين يُحاصر هو أعلى مراتب الشجاعة.
ليس المهم من و كم يقف معك ، بل مع من تقف أنت.


