أنباء اليوم
الخميس 5 نوفمبر 2026 08:29 صـ 24 جمادى أول 1448 هـ
 أنباء اليوم
رئيس التحريرعلى الحوفي
فيرتيف تستعرض جاهزية البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في معرض كايرو آي سي تي 2026 حلمي أبو العيش: تخصيص 10% من أرباح الشركات للمبادرات المجتمعية استثمار في مستقبل المجتمع الرئيس التنفيذي لشركة DDS Technologies يلتقي ممثلي القنصلية السعودية بمصر عقب افتتاح فرع الشركة في القاهرة . أسعار الورد في مصر.. كم بلغ سعر بوكيه الفلانتين 2026؟ من فكرة وُلدت عام 1996 إلى منصة إقليمية.. «Cairo ICT» يحتفل بثلاثة عقود من صناعة المستقبل الرقمي حلمي أبو العيش: تطوير البنية التحتية في الريف المصري حقق طفرة.. والتنمية تتطلب تلبية احتياجات المواطنين محافظ بني سويف يعقد اجتماعًا لمتابعة موقف أعمال رد الشيء لأصله الخاصة بأعمال شركة المصرية للاتصالات محافظ المنوفية يواصل سلسلة لقاءاته الجماهيرية بالمواطنين وزير الري يرأس الاجتماع السادس والعشرين لمجلس حوكمة مرفق المياه الأفريقي (AWF) بأبيدجان فيليب موريس مصر تعلن عن الأسعار الجديدة لمنتجاتها بدأ من 5 نوفمبر 2026 رئيس مجلس إدارة DDS technologies يلتقي سفير المملكة العربية السعودية عقب افتتاح فرع الشركة في القاهرة ولنا في الله ظنٌ لا يخيب

ألبستها قميص الذكور ”قصة قصيرة”

بقلم - أميره عبدالعظيم

كانت الحارة القديمة تضيق بأحلام سكانها، لكنها لم تكن يومًا أضيق من قلب لارا وهي تعبرها كل صباح بفستان المدرسة القصير، تحمل حقيبتها الصغيرة وتمضي بخطوات طفلة لم تتجاوز السابعة.

كانت أمها تمشط شعرها البني الطويل بعناية، وتزينه بشرائط بيضاء، فتبدو كزهرة صغيرة نبتت رغم قسوة الجدران الرمادية.

لارا لم تكن طفلة عادية.

كانت جميلة بصورة لافتة، كثيرة الحركة، مشاكسة، تضحك بصوت مرتفع، وتجري أسرع من الأولاد أنفسهم. وربما لهذا السبب أحبها “عمر”، زميلها في الصف، حبًا طفوليًا بريئًا، يبدأ بنظرة وينتهي بابتسامة خجولة تحت مقاعد الدراسة.

لكن الحارة التي تحفظ أسماء النساء أكثر مما تحفظ أسماء الشوارع، لم تكن ترى في البراءة سوى خطيئة مؤجلة.

ذات ظهيرة، استدعت المعلمة أم لارا وأخبرتها بما يدور بين الطفلة الصغيرة وزميلها.

عادت الأم يومها بوجه متجهم، وعينين تمتلئان بالخوف أكثر من الغضب. لم تصرخ كثيرًا، لم تضربها كما توقعت لارا… بل أصدرت حكمًا أشد قسوة من الضرب.

في صباح اليوم التالي، نزعت عنها الفستان.

قصّت شعرها الطويل.

وألبستها ملابس الذكور.

قالت بصرامة:

— “من اليوم… لا أريد أن أراكِ فتاة.”

كان الحكم مؤقتًا في البداية، عقابًا لأيام قليلة، لكنه تحول إلى عمر كامل.

اثنا عشر عامًا مرت، ولارا تعيش داخل شخصية لم تخترها.

كبرت وهي ترتدي القمصان الواسعة والأحذية الخشنة، تتحدث بخشونة مصطنعة، تخفي صوتها الرقيق، وتتعلم كيف تسير كالصبيان.

لم تعد تعرف كيف تربط شعرها، ولا كيف تضع دبوسًا ملونًا، ولا كيف تضحك دون أن تنتبه إلى نبرة صوتها.

ظنت أمها أنها بذلك تحميها من العالم، بينما هي في الحقيقة تنتزعها من نفسها قطعةً قطعة.

ومع الوقت، لم يعد الأمر مجرد ثياب…

بل أصبحةهوية مُشَوهة لازمتها طوال أيام حياتها.

أنهت لارا دراستها الجامعية وهي تقف في المنتصف؛ لا هي استطاعت أن تكون الرجل الذي أرادته أمها، ولا المرأة التي كانت تختبئ داخلها وتصرخ بصمت.

وحين حاولت البحث عن عمل، كانت النظرات تسبق الأسئلة.

ملامح الأنوثةتملؤها، لكن هيئتها مربكة، وطريقتها في الحديث تحمل قسوة مفتعلة لا تشبه النساء.

وفي الليل، حين تنفرد بنفسها أمام المرآة، كانت تلمس شعرها القصير بحزن، وتتساءل:

كيف يمكن لإنسانة أن تُعاقَب حتى تنسى شكلها الحقيقي؟

ورغم كل شيء، بقي داخلها شيء صغير يقاوم الموت.

أنوثتها.

كانت تشتهي حياة بسيطة؛ زوجًا يحبها، طفلًا يناديها “أمي”، ومطبخًا دافئًا تفوح منه رائحة الخبز.

لكن كلما اقتربت من هذا الحلم، شعرت أن السنوات التي سُرقت منها تقف كجدار بينها وبين الحياة.

وفي أحد الأيام، بينما كانت تقلب صفحات الجرائد، وقعت عيناها على إعلان لوظيفة شاغرة في الإسكندرية تناسب مؤهلها الدراسي.

لأول مرة منذ سنوات شعرت بشيء يشبه النجاة.

قررت السفر.

في الصباح الباكر، جلست بجوار نافذة القطار تراقب الحقول الهاربة، وكأنها تهرب معها من ماضيها كله.

وفي المقعد المقابل، كان يجلس رجل يطالعها بين الحين والآخر بنظرات مترددة.

ثم فجأة قال بدهشة:

— “لارا؟… أنتِ لارا؟”

رفعت رأسها ببطء.

تأملت وجهه طويلًا قبل أن تهمس:

— “عمر؟”

ساد الصمت للحظات، كأن الزمن عاد طفلًا فجأة.

ابتسم عمر بحنين واضح، وأخذ يسألها عن حياتها، عن السنوات التي ابتلعها الغياب.

أجابته بهدوء متعب:

— “أنهيت دراستي… وأذهب الآن إلى الإسكندرية بحثًا عن عمل.”

ثم سألها بلطف:

— “وأين عائلتك؟”

أطرقت قليلًا وقالت:

— “رحل أبي وأمي.”

ارتبك للحظة، ثم أردف سريعًا:

— “أقصد… زوجك؟ أولادك؟”

ابتسمت ابتسامة باهتة تشبه الانكسار:

— “لم أتزوج.”

اتسعت عيناه بدهشة ممزوجة بخيبة غامضة، بينما أخبرها هو أنه متزوج ولديه ثلاثة أطفال.

في تلك اللحظة، شعرت لارا أن القطار كله يمر فوق قلبها.

نظرت إليه طويلًا…

إلى الرجل الذي أحبته طفلةً، والذي كان — دون أن يدري — السبب الأول في كل ما حدث لها.

امتلأت عيناها بحزن السنين الضائعة التي سُرقت منها، ثم تمتمت بصوت مكسور:

— “حتى أنت يا عمر… وصل القطار متأخرًا.”

عرض أقل