مرثية الناطق الأخير
ماذا يخسر العالم حين تموت لغة؟
بقلم الباحثة والأديبة -أميرة عبدالعظيم
ثمة موتٌ لا تُقرَع له الأجراس، ولا تُرفع فوقه الرايات السود، ولا تمتلئ به صفحات النعي، ومع ذلك يترك في روح العالم فجوة لا تُرى. إنه موت اللغات.
ففي كل مرة تنطفئ فيها لغة، لا يختفي مجرد نظام من الكلمات، بل يغيب شكل كامل من أشكال النظر إلى الحياة، وتُدفن ذاكرة شعب، وتُمحى طريقة خاصة في الحلم والحزن والغناء والدعاء.
تشير التقديرات إلى أن نصف لغات العالم قد يختفي خلال القرن المقبل، وهو رقم لا يبدو كارثياً فحسب، بل يكشف عن خسارة إنسانية هائلة يصعب تعويضها. بعض هذه اللغات ستترك وراءها قواميس متناثرة أو تسجيلات قديمة، وبعضها الآخر سيرحل بصمت كامل، كأن أصحابه لم يعبروا هذا العالم يوماً.
في كتابها كيف تقتل لغة؟ السلطة والمقاومة والسباق إلى إنقاذ كلماتنا، تتتبع الصحفية "صوفيا سميث غيلر" مصائر اللغات المهددة بالاندثار، محاولة فهم الكيفية التي تُقتل بها اللغات، لا بوصفها ظاهرة طبيعية، بل نتيجة مباشرة للسلطة والهيمنة والتهجير والتهميش الثقافي.
ومن أكثر المشاهد إيلاماً ما أورده الكاتب" جون غالاغر" عن شاهد قبر في شمال غربي تركيا لرجل يُدعى "توفيق إيسنتش" ، آخر من كان يتحدث لغة "الأوبخ" .
وقبل وفاته بقليل، سجّل رسالة قصيرة قال فيها:
“هكذا أنهي لغة الأوبخ… عسى الله أن ينعم عليكم بالخير والجمال.”
لم ينعَ الرجل نفسه، بل نعى اللغة التي كانت تسكنه. وكأن الإنسان قد يتقبل موته الفردي، لكنه يرتجف أمام موت ذاكرة كاملة كانت تتكلم من خلاله.
إن انقراض اللغات يشبه إلى حد بعيد دمار التنوع الحيوي في الطبيعة. فكما يؤدي اختفاء نوع من الكائنات إلى اختلال النظام البيئي، يؤدي اختفاء لغة إلى اختلال الذاكرة الإنسانية. فاللغة ليست أداة تواصل فحسب، بل وعاء للمعرفة الشعبية، ومرآة للتاريخ، وخريطة دقيقة للعلاقة بين الإنسان وأرضه.
ولهذا، حين تتراجع لغة مثل “كاروك” في شمال كاليفورنيا، فإن العالم لا يفقد ألفاظاً فقط، بل يفقد أسماء النباتات المحلية، وطرق وصف الفصول، والحكايات القديمة التي لا يمكن ترجمتها بالروح نفسها إلى لغة أخرى.
وتوضح الكاتبة أن كثيراً من اللغات لا تموت بسبب ضعفها، بل بسبب الظروف التي تُفرض على أهلها؛ فالهجرة الناتجة عن تغير المناخ، والاستعمار الثقافي، وهيمنة اللغات الكبرى، كلها عوامل تدفع المجتمعات الصغيرة إلى التخلي عن لغاتها الأصلية من أجل البقاء.
وفي عالم تهيمن عليه الإنجليزية والمندرينية وغيرها من اللغات الكبرى، تبدو اللغات الصغيرة كأنها تقف على حافة هاوية واسعة. وتشير الإحصاءات إلى أن نحو 60 في المئة من لغات العالم مهددة بالانقراض، فيما توجد لغات لا يتحدث بها سوى بضعة أفراد فقط.
وربما تبدو فكرة انقراض اللغة بعيدة عن المتحدثين بالعربية أو الإنجليزية، غير أن الخطر يبدأ دائماً من الهامش، من اللهجات المحلية التي تتآكل ببطء، ومن الكلمات التي تستبدل بأخرى أكثر “عصرية”، ومن الأجيال الجديدة التي تخجل من أصوات أجدادها.
إن أخطر ما في الأمر أن العالم الحديث لا يقتل اللغات بالسلاح وحده، بل يقتلها أيضاً بالإهمال. فحين تُقصى لغة من التعليم والإعلام والإنتاج الثقافي، تُدفع تدريجياً نحو الصمت. وحين يشعر الطفل أن لغته الأم لا تمنحه مكانة أو فرصة، يبدأ بالتخلي عنها دون أن يدرك أنه يتخلى عن جزء من ذاته.
ولهذا تصف بعض الدراسات ما يحدث بأنه “إبادة لغوية”، لأن اختفاء اللغة ليس قدراً بريئاً دائماً، بل نتيجة سياسات وهيمنة ثقافية طويلة المدى.
وربما يكون السؤال الأكثر وجعاً: ماذا يخسر العالم حين تموت لغة؟
إنه يخسر طريقة مختلفة في فهم الحب والخوف والسماء والموت. يخسر الأمثال التي ولدت من تعب الشعوب، والأغاني التي خبأت ذاكرة القرى، والكلمات التي لا تملك ترجمة لأنها خُلقت لتشبه روح أصحابها فقط.
فاللغات ليست مجرد أصوات، بل أرواح جماعية تمشي على ألسنة البشر.
وحين يموت “الناطق الأخير”، لا ينطفئ صوت فرد واحد فحسب، بل تنطفئ مكتبة كاملة، وتُغلق نافذة كانت البشرية ترى العالم من خلالها بصورة مختلفة.
لهذا فإن حماية اللغات ليست عملاً ثقافياً هامشياً، بل دفاع عن التنوع الإنساني ذاته. فالعالم الذي يتحدث بلغة واحدة، حتى وإن بدا أكثر سهولة، سيكون عالماً أفقر روحاً، أقل خيالاً، وأكثر وحدةً مما نظن.


