أنباء اليوم
السبت 21 فبراير 2026 02:05 مـ 4 رمضان 1447 هـ
 أنباء اليوم
رئيس التحريرعلى الحوفي

سيدنا عثمان وسيدنا علي وسيدنا الحسن وسيدنا الحسين في قلب الفتنة الكبرى

صورة توضيحية
صورة توضيحية


تُعدّ الفتنة الكبرى أخطر مرحلة في التاريخ الإسلامي المبكر، إذ شكّلت نقطة تحول فاصلة بين عهد الخلافة الراشدة وبداية الدولة الأموية. وقد ارتبطت أحداثها بأسماء كبار الصحابة وآل بيت النبي ﷺ، وفي مقدمتهم سيدنا عثمان بن عفان، وسيدنا علي بن أبي طالب، وسيدنا الحسن بن علي، وسيدنا الحسين بن علي، إلى جانب معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد بن معاوية.
بدأت ملامح الأزمة في أواخر خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه، الذي امتد حكمه اثنتي عشرة سنة شهدت اتساع الفتوحات الإسلامية وجمع القرآن الكريم في مصحف واحد، وهو من أبرز إنجازاته. غير أن السنوات الأخيرة من عهده شهدت اعتراضات سياسية وإدارية، تصاعدت حتى حوصِر في داره بالمدينة سنة 35 هـ. رفض أن يُقاتَل دفاعًا عن نفسه حتى لا تُراق الدماء في مدينة رسول الله ﷺ، فاستُشهد مظلومًا، وكانت تلك الحادثة الشرارة الأولى التي أشعلت نار الفتنة بين المسلمين.
تولى سيدنا علي رضي الله عنه الخلافة في ظرف بالغ التعقيد؛ فقد انقسم المسلمون بين من يطالب بالقصاص الفوري من قتلة عثمان، ومن يرى ضرورة تثبيت أركان الدولة أولًا. وقعت معركة الجمل، ثم معركة صفين، وانتهت الأخيرة بالتحكيم، ما أدى إلى انقسام داخل جيشه وظهور الخوارج. واستمرت حالة الاضطراب السياسي والعسكري حتى استُشهد سيدنا علي سنة 40 هـ.
في خضم هذا الصراع، عيّن علي رضي الله عنه محمد بن أبي بكر واليًا على مصر، وكان من أبرز أنصاره وأكثرهم حماسة. لكن مصر كانت ساحة تنافس حاسمة في النزاع السياسي. أرسل معاوية جيشًا بقيادة عمرو بن العاص لاستعادة السيطرة عليها. وبعد معارك عنيفة سنة 38 هـ، سقطت مصر في يد جيش الشام. أُلقي القبض على محمد بن أبي بكر وقُتل، وتذكر بعض الروايات أنه قُتل ثم أُحرقت جثته، في حادثة أثارت حزنًا وغضبًا في معسكر علي، ومثّلت خسارة سياسية وعسكرية كبيرة.
بعد استشهاد علي، بويع سيدنا الحسن رضي الله عنه بالخلافة، لكنه وجد الأمة مرهقة من الحروب والانقسامات، فاختار الصلح مع معاوية سنة 41 هـ فيما عُرف بعام الجماعة، حقنًا لدماء المسلمين وجمعًا للكلمة. وبذلك استقر الحكم لمعاوية، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الدولة الإسلامية.
غير أن التحول الأكبر جاء حين عهد معاوية بالخلافة إلى ابنه يزيد، لتتحول الخلافة إلى نظام وراثي. وعند وفاة معاوية سنة 60 هـ، رفض سيدنا الحسين رضي الله عنه مبايعة يزيد، معتبرًا أن في ذلك خروجًا عن نهج الشورى. توجه إلى العراق بعد تلقيه رسائل من أهل الكوفة، لكن الأحداث انتهت بمأساة كربلاء سنة 61 هـ، حيث حوصِر مع عدد قليل من أهل بيته وأنصاره، واستُشهد في العاشر من محرم في واقعة هزّت وجدان المسلمين وما زال أثرها حاضرًا في التاريخ الإسلامي.
تكشف الفتنة الكبرى عن مرحلة شديدة الحساسية، اختلطت فيها الاجتهادات السياسية بالعواطف الدينية، وتحولت الخلافات إلى صراعات دامية غيّرت مسار الدولة الإسلامية. وبين استشهاد عثمان، وصراع علي، ومقتل محمد بن أبي بكر، ثم مأساة الحسين، تتجلّى واحدة من أكثر صفحات التاريخ الإسلامي ألمًا وتأثيرًا، لا تزال دروسها محل دراسة وتأمل حتى اليوم.