الأمام الشافعي قاضي الشريعة وتاريخ مضئ للإسلام
الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه إمام الشريعة والحقيقة في ذكري مولده لتجدد في الوجدان الإسلامي معنى العلم الذي يقود إلى الخشية، والفقه الذي يتكامل فيه ظاهر النص مع صفاء الباطن. فهو الإمام الذي بشّر به رسول الله ﷺ قبل مولده بنحو مائة سنة حين قال:
«يولد عالم من قريش يملأ طباق الأرض علمًا إن شاء الله تعالى»، فكان الشافعي تحقيقًا لتلك البشارة النبوية، وعَلَمًا من أعلام الأمة الخالدين.
وُلد الإمام الشافعي سنة 150 هـ في غزة ، وهي السنة ذاتها التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة، في دلالة رمزية على أن العلم في هذه الأمة ميراث لا ينقطع. نشأ يتيمًا، فقيرًا في المال، غنيًا بالله، فحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وحفظ «الموطأ» وهو ابن عشر، ثم جاب الأمصار في رحلة علمية طويلة حتى صار إمامًا مجتهدًا، مؤسسًا لمذهب فقهي عظيم.
جمع الإمام الشافعي بين الفقه والحديث، وبين العقل والنقل، وكان إلى جانب ذلك أديبًا شاعرًا، زاهدًا ورعًا، صوفيَّ المعنى، شديد الصلة بالله، حتى قال عن نفسه:
«ما شبعت منذ ست عشرة سنة، لأن الشبع يقسي القلب»،
فجسّد بذلك نموذج العالم الذي جمع علم الظاهر وصدق الباطن.
وفي تصريح خاص بهذه المناسبة، أكدت الباحثة في مجال التراث سلمى أحمد أن الإمام الشافعي كان مدرسة أخلاقية وروحية متكاملة، علّم الناس كيف يكون العلم طريقًا إلى الله، لا وسيلة للجدل أو التعالي»، مشيرةً إلى أن إحياء ذكرى مولده هو إحياء لقيمة العلم المقرون بالأدب والخشية.
جدير بالذكر بأن الجمعية الجغرافية المصرية استضافت محاضرة تاريخية ألقاها الأمير التركي المصري مصطفى منير أدهم في عهد الملك فؤاد الأول، خصّصها للحديث عن رحلة الإمام الشافعي في مصر، وما مثّلته هذه المرحلة من اكتمال مذهبه الفقهي واستقراره النهائي، وكيف أصبحت مصر الحاضنة الأخيرة لعلمه، ومنها انتشر مذهبه في أرجاء العالم الإسلامي، مؤكّدًا أن وجود الإمام الشافعي في أرض الكنانة منحها مكانة علمية وروحية فريدة في تاريخ الفقه الإسلامي.
توفي الإمام الشافعي رضي الله عنه سنة 204 هـ، ودُفن بمصر، فازدادت أرض الكنانة شرفًا بجواره، وصار مقامه مقصدًا للمحبين وطلاب العلم وأهل الذكر، يستلهمون من سيرته معنى الجمع بين العلم والعمل، وبين الشريعة والحقيقة.
وتبقى سيرة الإمام الشافعي نموذجًا خالدًا للعالم الرباني الذي أورث العلم خشية، وربط الفقه بالأخلاق، فاستحق أن يملأ علمه طباق الأرض، وأن يبقى اسمه حيًا في ضمير الأمة عبر القرون.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ رضي الله عن الإمام الشافعي، ونفعنا الله بعلومه، وجعلنا من أهل الأدب مع الله ورسوله وأوليائه الصالحين.


