أنباء اليوم
الأحد 22 فبراير 2026 05:49 مـ 5 رمضان 1447 هـ
 أنباء اليوم
رئيس التحريرعلى الحوفي
رئيس الوزراء يستعرض رؤية وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية وخطة عملها خلال الأعوام الثلاثة المقبلة الأرصاد: طقس الغد مائل للبرودة نهارا شديد البرودة ليلا على كافة الأنحاء.. والصغرى بالقاهرة 11 القومي للمرأة يعلن رفضه القاطع لأي عمل يتضمن الإساءة إلى المرأة وزير البترول يبحث استكمال إجراءات المسح الجوي للمعادن السكة الحديد : حدوث احتكاك بين جرار زراعي وقطار بين محطتي فاقوس والسماعنة دون إصابات الخدمة السرية الأمريكية: مقتل رجل مسلح حاول دخول منتجع ترامب قلق بين خطوط الطيران الأمريكية إثر تعليق برامج تسهيل الدخول بسبب الإغلاق نزوح قياسي للأموال من ”وول ستريت” : 75 مليار دولار تغادر الأسهم الأمريكية الثقافة تبحث إطلاق مهرجان ”بهجة وبسمة”بالقرى والنجوع الفنانة درة تتألق فى موسم رمضان 2026 النيابة العامة تأمر بإحالة متهم لقيامه بالتعدي على فرد أمن بأحد المجمعات السكنية وإتلاف جهاز اتصال لاسلكي للمحاكمة الجنائية العاجلة محافظ أسوان يعلن إعتماد كردون مدينة أسوان من رئيس مجلس الوزراء

رمضان في مصر ذاكرة شعب وهوية أمة عبر العصور

حين يهلّ شهر رمضان على مصر، لا يتغير فقط إيقاع الحياة اليومية، بل تتحول المدن والقرى إلى لوحات نابضة بروح خاصة، تختلط فيها التقاليد الشعبية بالمشاعر الدينية، وتستيقظ الذاكرة الجمعية على طقوسٍ توارثها المصريون جيلًا بعد جيل. فالشهر الكريم في مصر ليس مجرد زمن للصيام والعبادة، بل موسم اجتماعي وثقافي تتجلى فيه ملامح الشخصية المصرية بكل ما تحمله من دفء وتكافل وبهجة.

منذ دخول الإسلام إلى مصر، أخذ رمضان مكانة متميزة في وجدان الناس، وتعززت هذه المكانة عبر العصور المختلفة، حتى أصبحت له ملامح خاصة تميزه عن غيره من البلدان. ففي الحارات القديمة، ما زال صوت المسحراتي يشق سكون الليل قبل الفجر، مناديًا الناس للسحور بإيقاع طبلته وكلماته المألوفة التي تحفظها الآذان قبل القلوب. ورغم التطور التكنولوجي وانتشار المنبهات والهواتف، فإن هذه العادة ما زالت حاضرة في أحياء كثيرة، بوصفها رمزًا حيًا لاستمرار التراث.

ومع اقتراب موعد الإفطار، تترقب العيون لحظة الغروب، في تقليد ارتبط طويلًا بصوت مدفع الإفطار، الذي كان ولا يزال علامة فارقة في الذاكرة الشعبية. هذه اللحظة لا تعني فقط كسر الصيام، بل تمثل اجتماع العائلة حول مائدة واحدة، في مشهد يتكرر يوميًا طوال الشهر، مؤكّدًا قيمة الترابط الأسري التي يتميز بها المجتمع المصري.

أما فانوس رمضان، فقد تحول من وسيلة إنارة بسيطة إلى رمز احتفالي وثقافي. تتزين به الشرفات والمحال، ويحمله الأطفال في الشوارع وهم يرددون الأغاني الرمضانية القديمة، فتتحول الليالي إلى مساحات من الضوء والفرح. ويعكس الفانوس قدرة المصريين على تحويل أداة عملية إلى علامة هوية ترتبط بالشهر الكريم وحده.

وتبقى موائد الرحمن واحدة من أصدق صور التكافل الاجتماعي في رمضان المصري. تمتد الموائد في الشوارع والساحات لاستقبال الصائمين، دون تفرقة بين غني وفقير أو عابر سبيل ومقيم. هذا المشهد اليومي يعكس طبيعة المجتمع المصري القائمة على المشاركة والتراحم، حيث يتحول الإفطار إلى فعل جماعي تتجسد فيه قيم التضامن.

وعلى مستوى المائدة، تحمل الأطعمة الرمضانية دلالات تاريخية وثقافية، فالكنافة والقطايف والخشاف ليست مجرد أطباق حلوى، بل عناصر من تراث غذائي ارتبط بالشهر الكريم عبر قرون طويلة. ومع صلاة التراويح، تمتلئ المساجد بالمصلين، وتتحول الساحات المحيطة بها إلى أماكن لقاء وسهر، تمتد فيها الأحاديث والزيارات العائلية حتى ساعات متأخرة من الليل، في مشهد يعكس تداخل العبادة بالحياة الاجتماعية.

وفي هذا الإطار تؤكد الباحثة في التراث المصري سلمي أحمد أن “رمضان في مصر يمثل حالة ثقافية متفردة، حيث تتعايش الطقوس الدينية مع المظاهر الشعبية في تناغم نادر. فالعادات المرتبطة بالشهر ليست طقوسًا عابرة، بل هي تعبير عن تاريخ طويل من التفاعل بين المجتمع والدين، وعن قدرة المصريين على صون تراثهم وإعادة إنتاجه بما يتلاءم مع كل عصر”.

وهكذا يظل رمضان في مصر أكثر من مناسبة دينية، إنه مساحة زمنية تتجدد فيها القيم، وتُستعاد فيها الحكايات، وتُنسج فيها علاقات إنسانية تعزز معنى الانتماء. وبين صوت المسحراتي، وضوء الفانوس، ودفء موائد الرحمن، تتجسد هوية شعب يرى في الشهر الكريم فرصة للعودة إلى الجذور، واستعادة روح الجماعة، وتأكيد أن التراث ليس ماضيًا ساكنًا، بل حياة تتجدد مع كل هلال جديد.