google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
الجمعة 10 أبريل 2026 12:00 صـ 21 شوال 1447 هـ
 أنباء اليوم
رئيس التحريرعلى الحوفي
محافظ الغربية يتابع تنفيذ مواعيد الغلق ويؤكد على الالتزام خلال عطلة نهاية الأسبوع وزير المالية: إعفاء الأفراد من ضريبة التصرفات العقارية عند بيع وحداتهم لأقاربهم من الدرجة الأولى وزير الأوقاف يهنئ البابا تواضروس الثاني والإخوة المسيحيين بعيد القيامة المجيد النيابة العامة المصرية تستضيف اجتماع اللجنة التنفيذية لجمعية النواب العموم العرب رئيس الوزراء: الأمل في أن تتمسك كل الأطراف بهذه ”النافذة المضيئة” نحو الوصول إلى اتفاق نهائي لإيقاف هذه الحرب نقيب الإعلاميين يمنع ظهور علا شوشه ومنع المعد والمخرج خمسة عشر يوما من ممارسة النشاط الإعلامي نقابة الإعلاميين : منع ظهور أسامة حسني على أي وسيلة إعلامية داخل مصر و إحالته للتحقيق التربية والتعليم: لاصحه حول خصم درجات من الطلاب نتيجة الغياب محافظ الغربية يلتقي عددا من أعضاء مجلس النواب لبحث مشاكل الدوائر وتحسين خدمات عروس الدلتا وزير الاتصالات يبحث مع نظيره اليمني تعزيز التعاون المشترك في مجالات التحول الرقمي وبناء القدرات الرقمية رئيس الوزراء : إغلاق المحال الساعة 11 مساء بدلا من 9 حتى نهاية أبريل الوطنيه للاعلام : محمد محيي رئيساً لقطاع الأمانة العامة بماسبيرو

أحمد باشا المنشاوي وحريق ميت غمر حين انتصر الضمير على السجن وتكلم حافظ إبراهيم بلسان الشعر بهدف القيمة الوطنية

في مطلع القرن العشرين، كانت مصر تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا، حيث تداخل القهر السياسي مع الأزمات الاجتماعية، وبرزت شخصيات وطنية دفعت ثمن مواقفها، لا لذنبٍ ارتكبته، بل لثباتها على الانحياز للناس والوطن. ومن بين هذه الشخصيات يلمع اسم أحمد باشا المنشاوي، الذي أُطلق عليه في زمانه لقب «المحسن العظيم»، لما عُرف عنه من كرمٍ ونبلٍ ومواقف إنسانية لم تتوقف حتى وهو خلف قضبان السجن.

تعود جذور قضية سجن أحمد باشا المنشاوي إلى واقعة بدت في ظاهرها جنائية، لكنها في حقيقتها كانت سياسية بامتياز. فقد تعرّضت مواشٍ مملوكة لمزرعة الخديوي عباس حلمي الثاني للسرقة، فتطوّع المنشاوي باشا بحكم مكانته الاجتماعية ونفوذه المحلي بالبحث عن اللصوص والقبض عليهم، حرصًا على رد الحقوق وإقرار النظام. وبالفعل تم تسليم المتهمين إلى مأمور القسم.

غير أن اللصوص، وأمام التحقيق، أنكروا التهمة، وادّعوا أن اعترافهم جاء تحت وطأة التعذيب. هنا، لم تُعامل القضية بوصفها نزاعًا قانونيًا عاديًا، بل تحوّلت إلى أداة انتقام سياسي. فقد انتهز الحكمدار الإنجليزي هذه الفرصة لمعاقبة المنشاوي باشا على مواقفه الوطنية السابقة، وعلى تأييده الصريح لثورة أحمد عرابي، وهي التهمة غير المعلنة التي لم يغفرها له الاحتلال البريطاني.

وبدفع مباشر من اللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني، جرى تحريك القضية في اتجاهٍ واحد: إدانة المنشاوي، والزجّ به في السجن، في محاكمة افتقدت إلى العدالة، وحملت كل ملامح التصفية السياسية.

وفي عام 1902م، بينما كان أحمد باشا المنشاوي قابعًا في محبسه، تعرّضت مدينة ميت غمر لكارثة إنسانية كبرى، حين شبّ حريق هائل التهم البيوت والممتلكات، وترك مئات الأسر بلا مأوى، وخلّف مشاهد موجعة من الفقد والتشريد، خاصة بين النساء والأطفال.

لم يكن الحريق مجرد حادث عارض، بل صدمة هزّت الرأي العام المصري، وتحوّلت إلى قضية رأي عام، تناقلتها الصحف، واستنهضت مشاعر التضامن، ودفعت المثقفين والأدباء إلى التعبير عن وجدان الناس في مواجهة الفاجعة.

في قلب هذه اللحظة، برز صوت حافظ إبراهيم، شاعر النيل يوم 7 مايو 1902، الذي لم يكن شعره يومًا منفصلًا عن آلام المجتمع. فكتب قصيدته الشهيرة عن حريق ميت غمر، مسجلًا في ديوانه واحدة من أهم قصائد الشعر الاجتماعي، حيث تجاوز الوصف إلى المناشدة، وتحول الشعر إلى وثيقة إنسانية حيّة.

وفي موقف بالغ الدلالة، وجّه حافظ إبراهيم نداءه إلى أحمد باشا المنشاوي، رغم كونه سجينًا، إدراكًا منه أن السجن لا يقيّد القيم، ولا يمنع الكرم من أداء رسالته. فجاء البيت الشهير الذي خلّد هذا الموقف:

أيُّها السجينُ لا يَمنعُ السِّجْنُ

كريمًا من أن يُقيلَ العِثارا

بيت واحد، لكنه اختصر معنى عميقًا: أن العطاء لا تحدّه الجدران، وأن القيم الحقيقية لا تُصادرها السلطة، ولا تُكممها القيود.

لم يكن ذكر المنشاوي باشا في شعر حافظ إبراهيم مجاملة أو استعطافًا، بل اعترافًا بمكانته الراسخة في الضمير العام، بوصفه نموذجًا للوجاهة المرتبطة بالمسؤولية الاجتماعية، لا بالمصلحة أو النفوذ. فقد ظل اسمه، حتى وهو في السجن، رمزًا يُستدعى عند الشدائد، ودليلًا على أن العمل الخيري موقف أخلاقي قبل أن يكون فعلًا ماديًا.

تكشف هذه الواقعة، بما تحمله من تداخل بين السياسة والإنسانية والأدب، عن دور الشعر في توثيق التاريخ الاجتماعي لمصر. فقصيدة ميت غمر لم تحفظ مأساة مدينة فحسب، بل حفظت أيضًا موقف رجل سُجن ظلمًا، وشاعر انحاز للناس، وبلدٍ كان يبحث عن العدالة وسط النيران.

وهكذا، وبعد أكثر من قرن، يبقى اسم أحمد باشا المنشاوي حاضرًا، لا بوصفه سجينًا، بل بوصفه محسنًا عظيمًا، وتبقى أبيات حافظ إبراهيم شاهدًا على زمنٍ حاول فيه الاحتلال كسر الرموز، لكن الذاكرة الوطنية أعادت بناءهم شعرًا وتاريخًا.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0