حين يتكلم الحجر… الخليل تستعيد وجهها الجميل
بقلم الباحثة والأديبة -أميره عبدالعظيم
في مدينة الخليل، حيث تتكئ الحجارة العتيقة على ذاكرة القرون، وحيث تختلط رائحة التاريخ بنبض الأسواق وحركة التجارة، لم يكن المشهد البصري يوماً مجرد تفاصيل عابرة، بل كان جزءاً من الحكاية التي ترويها المدينة لأبنائها وزائريها.
غير أن تسارع الحياة الحديثة، وتزاحم اليافطات والإعلانات والآرمات التجارية، ألقى بظلاله على ملامح المدينة، حتى غابت كثير من جماليات الواجهات الحجرية العريقة خلف ألوان متنافرة وأحجام متباينة، فتسلل التلوث البصري إلى فضاء مدينة طالما عُرفت بانسجامها وأصالتها.
ومن هنا ولدت فكرة من رحم مبادرة «من يُحرّك السُّكّر؟»، ليس باعتبارها مشروعاً تنظيمياً فحسب، بل بوصفها رؤية حضارية تسعى إلى إعادة ترتيب العلاقة بين التجارة والجمال، وبين الحداثة والتراث، وبين حاجة السوق وحق المدينة في الحفاظ على هويتها البصرية.
وتتولى هذه المبادرة مسؤوليتها بروح الشراكة والتكامل؛ إذ يشرف مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي على البعد الثقافي والتراثي للمشروع، حفاظاً على روح الخليل التاريخية وخصوصيتها العمرانية، بينما تضطلع الجهات ذات العلاقة بالمتابعة والتنفيذ وفق الأنظمة واللوائح المعمول بها، بما يضمن تحقيق التناسق الحضري والسلامة العامة.
وتستند المبادرة إلى رؤية تؤمن بأن المدينة الجميلة ليست ترفاً، بل ضرورة اقتصادية وثقافية، وأن الإدراك البصري الإيجابي يسهم في جذب المتسوقين والسياح، ويعزز انتماء المواطن إلى مدينته.
وفي المحور التراثي والثقافي، يعمل مركز السنابل على تقديم الاستشارات المتعلقة بالخطوط والألوان والتصاميم التي تنسجم مع الهوية التاريخية للخليل، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي بأهمية المشهد البصري في صناعة بيئة حضارية جاذبة.
أما المحور التنظيمي، فيرتكز على تطبيق الأنظمة والتعليمات الخاصة باليافطات والواجهات التجارية، ومراجعة التراخيص القائمة، ووضع معايير واضحة للأبعاد والارتفاعات والإضاءة، بما يحقق الانسجام ويحد من التشويه البصري، مع تسهيل الإجراءات اللازمة أمام أصحاب المحلات لتصويب أوضاعهم.
وفي الجانب المجتمعي، تنطلق المبادرة من إيمان عميق بأن التغيير الحقيقي لا يُفرض من أعلى، بل يُصنع بالشراكة مع الناس. ولذلك تسعى «من يُحرّك السُّكّر؟» إلى إشراك التجار وأصحاب المحلات في عملية التطوير، عبر الجولات الميدانية وورش العمل والأنشطة التطوعية، ليكون الجميع شركاء في صناعة صورة أجمل للمدينة.
إن هذه المبادرة لا تستهدف إزالة لافتة أو تغيير لون واجهة، بل تسعى إلى استعادة وجه الخليل الحقيقي؛ ذلك الوجه الذي يجمع بين أصالة الحجر وروح السوق، وبين ذاكرة المكان وطموح المستقبل.
فالمدينة المنظمة بصرياً ليست أكثر جمالاً فحسب، بل أكثر قدرة على جذب الاستثمار، وأكثر ترحيباً بزوارها، وأكثر وفاءً لتاريخها.
فالمدن لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالصورة التي تتركها في الذاكرة. والخليل، التي حفظت تاريخها بين أزقتها وأسواقها وبيوتها العتيقة، تستحق أن يُصان وجهها الجميل من ضجيج الألوان وتزاحم اللافتات. إن مبادرة «من يُحرّك السُّكّر؟» ليست مشروعاً لتنظيم الواجهات فحسب، بل رسالة وفاء لمدينة تستحق أن تُرى بعين الجمال، وأن تبقى شاهدة على أن الأصالة والحداثة قادرتان على السير جنباً إلى جنب، حين يكون الإنسان شريكاً في حماية المكان، وحين تصبح الهوية البصرية جزءاً من الهوية الوطنية نفسها.


