google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
الأحد 18 أكتوبر 2026 10:51 صـ 6 جمادى أول 1448 هـ
 أنباء اليوم
رئيس التحريرعلى الحوفي
الاتحاد المصري لطلاب الصيدلة بجامعه الأهرام الكنديه, ينظم يومًا توعويًا عن سرطان الثدي بقرية المنصورية بالجيزة برشلونة يكتسح ريال بيتيس بخماسية ويواصل التحليق في صدارة الدوري الإسباني طبيب الأهلي يكشف تفاصيل إصابة عمر الساعي وزير الخارجية يناقش مع نظيره الإيراني خفض التصعيد واستئناف المسار الدبلوماسي وزيرة التضامن الاجتماعي تتفقد جناح صندوق دعم الصناعات الريفية والبيئية المشارك في فعاليات معرض ”تراثنا” للحرف اليدوية والتراثية وزير الخارجية يلتقي المكلف بتسيير شؤون الخارجية الليبية ويؤكد دعم مصر لاستقرار ليبيا ووحدتها تحالف دعم الشرعية في اليمن: اعتراض وتدمير 4 مسيرات بمناطق الرياض والشرقية القنصل المصري في الرياض يزور مدينتي الدمام والخبر تكريم الفنانة صابرين في افتتاح المهرجان الدولي المغاربي للفيلم في وجدة الأهلي يقلب الطاولة على كيتارا الأوغندي بثنائية ويقترب من التأهل في الكونفيدرالية ضبط شخص لقيامه بالترويج لبيع طائرتي ”درون” بالغربية وزير الصناعة: مصر تتطلع لبناء تحالف إفريقي قوي في قطاع التعدين

الخبز الذي علّمني معنى النعمة

بقلم الباحثة والأديبة-أميره عبدالعظيم

إنها ليلة باردة

لا أذكر كم كان عمري يوم سقطت قطعة خبز من يدي في ساحة الدار. كل ما أذكره أن جدتي سارعت إليها قبل أن تلامسها قدماي، التقطتها برفق، ونفضت عنها الغبار، ثم قبّلتها وهمست بكلمات لم أفهمها يومئذ: "هاي نعمة الله... لا تهينوها." وضعتها فوق سور حجري، ثم التفتت إليّ وقالت: "يا بني، اللي ما بصون النعمة، النعمة بتفارق بيته."

كبرت، وبقي ذلك المشهد يسكن ذاكرتي. كنت أظن أن جدتي تبالغ في احترام رغيف الخبز، حتى اكتشفت أن ما فعلته لم يكن طقسًا فرديًا، بل كان ثقافة مجتمع كامل.

يستطرد الدكتور "محمد إدريس" حكايته قائلاً

في فلسطين لم يكن الناس يسمون الخبز خبزًا فقط، بل كانوا يسمونه "العيش"، وكأنهم يقولون إن الحياة نفسها تبدأ من هذا الرغيف.

وفي ليالي الشتاء، حين كانت النار تشتعل في الموقد، كانت جدتي تروي لنا الحكايات. أكثرها رسوخًا في ذاكرتي حكاية "المساخيط" في الصُري بدورا. كانت تقول إن قافلة أغراها الغنى حتى لم تعد ترى في الخبز نعمة، فاستخدمته في غير ما خُلق له، استهانةً وكبرًا. ثم كانت تصمت قليلًا قبل أن تشير بيدها قائلة: "الله مسخهم حجارة... حتى يظل الناس يتذكروا إن النعمة إلها حرمة."

لم نكن نسألها إن كانت الحكاية حدثت فعلًا، لأن السؤال لم يكن مهمًا. المهم أن الحكاية كانت تزرع فينا خوفًا جميلًا من كفران النعمة، وتغرس احترام الرغيف في قلوبنا قبل عقولنا.

وحين تنتهي من تلك الحكاية، تبدأ بأخرى؛ عن امرأة امتلأت خوابيها بالدقيق، لكنها بخلت برغيف على فقير، ففارقت البركة بيتها. ثم تهز رأسها وتقول: "الخير مش بكثرته... الخير ببركته."

ولم تكن الحكايات وحدها معلمة الأجيال، بل كانت الأمثال أيضًا. كنت أسمع أبي يردد: "البيت اللي فيه خبز وزيت، زقفت فيه الحيط." وأسمع أمي تقول: "خبز وزيت أسدين بالبيت." وإذا تصالح متخاصمان قال الناس: "بينهم خبز وملح." أما من يسعى ليكسب رزقه، فيقال عنه: "بجري ورا رغيف عيشه." حتى الأمثال كانت تبدأ بالرغيف وتنتهي به، لأنه كان عنوان الكرامة قبل أن يكون طعامًا.

مرت الأعوام، وتبدلت الأحوال، وعدت ذات يوم من مناسبة كبيرة. رأيت عشرات الأرغفة ملقاة بين بقايا الأرز واللبن والشوربة. وفي صباح اليوم التالي شاهدت أكياسًا مليئة بالخبز مرمية بجانب حاويات النفايات. توقفت طويلًا، ولم أرَ الخبز هذه المرة، بل رأيت وجه جدتي وهي تقول: "هاي نعمة الله... لا تهينوها."

تساءلت في نفسي: كيف انتقلنا من تقبيل الرغيف إذا سقط إلى رميه بالأكياس؟ كيف تحول "العيش" الذي كان رمزًا للحياة إلى شيء فائض لا نفكر فيه إلا عندما نريد التخلص منه؟

ثم تذكرت مثلًا كانت تردده الجدات كلما رأين إنسانًا أغرته النعمة: "النملة إذا صار إلها جناحان بتموت." لم يكن المثل يتحدث عن النمل بقدر ما كان يتحدث عن الإنسان حين يحمله الترف إلى الغرور، فينسى أن النعمة أمانة قبل أن تكون ملكًا.

ليست المشكلة في كثرة الخبز، بل في غياب ثقافة صونه. فالرغيف الزائد يمكن أن يُحفظ، أو يُجفف، أو يُقدّم لمربي المواشي، أو يصل إلى بيت محتاج قبل أن يفسد. أما أن يتحول إلى نفاية، فذلك ليس قدرًا، بل نتيجة سلوك فقد شيئًا من حكمة الأجداد.

كلما مررت بجانب رغيف ملقى في الطريق، أسمع صوت جدتي يعود من أعماق الذاكرة، فأدرك أن احترام الخبز لم يكن احترامًا لقطعة من الطحين والماء، بل احترامًا لعرق الفلاح، وتعب الخباز، وبركة الأرض، وفضل الله.

وربما لهذا السبب ظل أجدادنا يطلقون عليه اسمًا لم يطلقوه على أي طعام آخر... "العيش". لأنهم كانوا يعرفون أن من يحفظ العيش، يحفظ الحياة.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0