ترياق الوهم
بقلم الباحثة والأديبة - أميره عبدالعظيم
استلقت على ظهرها استعدادًا لجلسة العلاج الطبيعي.
تطير بجناحين بين طيات السحاب، تصعد وتهبط، عيناها لا تصدق ما تراه؛ سحب بيضاء وأخرى زرقاء تطير هنا وهناك. لمحت تلك السحابة المفتوحة، وكأن ضوءًا من داخلها يستدعيها، الفضول للذهاب إلى هناك.
ما إن وصلت، إلا وخرج منها شخص طويل القامة، بشرته سمراء كسمار الفحم الأسود، لا ترى منه إلا عيناه اللتان تلمعان في الضوء.. تمكن الخوف منها، وارتعدت منه كثيرًا.
حاولت أن تتماسك، ولا تظهر له أنها لا تهابه، حتى إنه عندما مد يده ليمسك بيدها ويأخذها للداخل، ترددت هنيهة، ثم سارت معه إلى الداخل بكل هدوء، وكأن فضولها البشري كان يحثها على فعل ذلك.
كان هو طويل القامة جدًا، حتى إنها وهي تسير بجانبه، كانت لا تطيل ركبتيه.
عقلها يحدثها: أهذا بشر؟!
وتارة أخرى يجيب عليها: من يكون إلا كذلك؟!
بدأت خطواتهم تتحرك إلى الداخل، يصطف عن اليمين وعن الشمال أضواء ملونة ومشعة، ينعكس شعاعها على الحائط فتظهر رسومات غريبة لم ترها عيناها من قبل، ومن تحت أرجلهم قطع مضيئة وسط رمال صفراء ناعمة.
يعاود عقلها السؤال:
أهذه الجنة؟!
يجيبها الرجل وكأنه يجلس داخل عقلها ويعلم ما يدور في ذهنها من أسئلة:
هذه ليست كما تظنين، إنها دار أفضل من داركم.
ولأنك كنتِ امرأة صالحة، اختارك الملك لتكوني امرأته وأمًّا لأولاده.
كادت أن يُغشى عليها، لكنها عادت لتتماسك من جديد.
بهية امرأة قوية، وعلاوة على ذلك فهي جميلة، وما زالت تحتفظ بأنوثتها رغم أنها تخطت الخمسين من عمرها.
أكثر ما لفت نظرها: كيف اختارها الملك ويريد أن ينجب منها أولادًا وبنات، وهي تخطت الخمسين..؟!
أردف مجيبًا: نعم، هو يعلم ذلك جيدًا، لكن في عالمنا النساء تنجب في أي زمن، أيا كان عمرها.. الحياة هنا أبدية.
أردفت: عالمكم! هل أنا ميتة وبُعثت من جديد؟
فاجأها بضحكة عالية، والأكثر مفاجأة أسنانه الناصعة البياض، وكأنها أسنان أسد.
تأخذهم خطواتهم إلى الداخل أكثر فأكثر،
في حين تسمع صوت الطبيبة:
"انتبهي، سأضع لكِ جهاز الألتراساوند لمدة ربع ساعة تقريبًا."
ما إن انتقلوا إلى الداخل، إلا ورأت ما لا تراه عينان ولا يستطيع أن يدركه بشر…
صرح عظيم، وصوت يأتي من بعيد، وهو يربت على كتفيها:
"أهلًا وسهلًا بكِ في بيتك الجديد."
التفتت إليه وهي ترتعد، وكأن درجة حرارتها قد وصلت إلى أربعين درجة، حتى إن وجنتيها أصابها الاحمرار من الخجل وهول المفاجأة، فازدادت جمالًا وجاذبية فوق جمالها.
أمسك بيدها ليطمئنها ويهوّن عليها:
"أنتِ هنا من أجلي، اختارك حاكم المدينة لتكوني امرأتي."
جلست إلى جواره متجهمة، والخوف يملأ عينيها.
الصمت يلجم لسانها، وكأن شفتيها قد التحمتا ببعضهما البعض.
عندما بدأت الطبيبة في تدليك جسدها، كانت تأن من شدة الألم، ودموعها تنساب على وجنتيها، فتزيل حمرة المساحيق التي وضعتها على وجهها لتخفي شحب السنين الذي تمكن منه.
بدأ يتلمس يديها برفق ولين، ويتعمق في نظرات عينيها التي تتوارى خلفها العديد من الأسئلة، ممزوجة بحنان ودفء… عبارات حب تقذف بإحساس ناطق:
تأخرت كثيرًا… خذني بين ذراعيك.
وما إن مد يديه ليلبي النداء ويحتضنها، حتى دخل الخادم الخاص، يحمل صينية فاخرة، وضع عليها كأسين من عصير امتزج لونه ما بين الأحمر والبرتقالي.
وبدل أن يحملها في أحضانه، حمل لها كوب العصير قائلًا بصوت دافئ:
"تفضلي، امرأتي الجميلة… ترياق الشباب، صُنع لكِ خصيصًا، لتكوني في الثلاثين من عمرك، وتمكثي بين أحضاني، وأنجب منكِ الولد والبنت، ويكون لنا نسل لا يشيخ أبدًا، يمتد إلى كل العصور… والآن، احتسي الترياق يا امرأتي الجميلة."
ما إن أنهت الطبيبة جلسة التدليك، إلا وبدأت في إصدار التعليمات المعتادة في نهاية كل جلسة والتي يجب على بهية اتباعها:
"مدام بهية، أوصيكِ بأن تكوني ريلاكس، ولا تحملي أشياء ثقيلة، ولا تقومي بمجهود عنيف، فعضلاتك منهكة، وهذا طبيعي…"
وهي تضحك ضحكة خفيفة: (تراكمات السنين).
"إنتظري، عندي لكِ هدية، هتدعي لي بعدها…"
وأخرجت من درج مكتبها زجاجة دواء وأعطتها لها:
"عقار جديد أحضره الدكتور مالك من أمريكا، حبة واحدة يوميًا، سترجع لكِ الشباب وقوة العضلات في غضون ثلاثة أشهر… هو غالي شوية، لكن مفعوله رائع."
"ميعادنا الجلسة القادمة."


