ومضات رمضانيه :السابع والعشرين من رمضان.. الليلة التي أعادت رسم خرائط القوة
بقلم - أميره عبدالعظيم
في تلك الليلة من رمضان، لم يكن القمر بدراً عادياً، بل كان شاهداً صامتاً على تحولاتٍ بدّلت مصائر أمم، وكتبت فصولاً جديدة في كتاب التاريخ.
ليلة واحدة… لكنها امتدت في أثرها قروناً، كأن الزمن قرر أن يختصر أعوامه في سطور قليلة، ويودعها في قلب السابع والعشرين من رمضان.
بدأت الحكاية من شامٍ مضطرب، ودولةٍ تتداعى أطرافها، حين وقف عبد الملك بن مروان أمام إرثٍ مثقل بالفوضى والانقسام.
لم يكن توليه الخلافة مجرد بيعة، بل كان أشبه بالوقوف على حافة هاوية.
لكن الرجل لم يتردد.
بهدوء القادة الكبار، أعاد ترتيب الفوضى، ووحّد الرايات المتناحرة، ثم لم يكتفِ بالاستقرار، بل أعاد صياغة الدولة نفسها:
سكَّ عملةً إسلامية خالصة، وحرر الاقتصاد من تبعية بيزنطة، وجعل العربية لغة الحكم والإدارة.
ومن بين الرماد، نهضت دولة جديدة… أكثر صلابة، وأكثر وضوحاً.
ولهذا، لم يخطئ التاريخ حين لقّبه بـ"المؤسس الثاني".
وبعد قرون، في الأندلس، كان فارس آخر يكتب مَجده بطريقته.
هناك، حيث امتدت حدود القوة حتى أقصاها، رحل محمد بن أبي عامر في ليلة 27 رمضان.
لم يكن خليفة، لكنه حكم كأنه دولة كاملة.
قاد عشرات الحملات، ولم يُهزم في واحدة منها، حتى صار اسمه مرادفاً للهيبة.
لكن موته… كان بداية الانكسار.
كأن الأندلس كانت تستمد تماسكها من حضوره، فلما غاب، بدأت خيوطها تتفكك، وظهرت ملامح زمنٍ جديد… زمن ملوك الطوائف.
وفي الشرق، كان صوت السيوف يعلو.
بعد يومين فقط من انتصار عين جالوت، دخل سيف الدين قطز دمشق في 27 رمضان، لا كفاتحٍ عابر، بل كمن يعلن نهاية عصرٍ كامل.
المغول… القوة التي أرعبت العالم، سقطت هيبتها عند أبواب الشام.
لم يكن دخول دمشق حدثاً عسكرياً فقط، بل إعلاناً بأن ميزان القوة قد تغيّر، وأن القاهرة أصبحت القلب النابض للعالم الإسلامي.
وتتوالى المشاهد…
قلعة تسقط في قلب أوروبا، وجيوش عثمانية تستعيد هيبتها في معركة لوغوش، كأن الدولة العثمانية ترفض أن تنطفئ بسهولة.
وفي زمنٍ أقرب، يولد وطن.
في ليلة 27 رمضان، أُعلن قيام باكستان، بعد عقود من الحلم والنضال.
تحقق ما أراده محمد علي جناح ومحمد إقبال: دولة تقوم على هوية، لا على حدودٍ رسمها الآخرون.
وفي القاهرة، كانت نهاية رجل… لكنها بداية وعي.
رحل أحمد عرابي، تاركاً خلفه صرخة لم تمت:
أن الكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع.
كانت ثورته بذرة، ستنبت لاحقاً في وجدان أمة بأكملها.
ولم يكن هذا اليوم فقط ساحةً للسياسة والحروب، بل كان أيضاً لحظة تشريعٍ إنساني عميق.
فيه فُرضت زكاة الفطر، لتربط بين العبادة والرحمة، بين الصوم وكرامة الفقير.
وفيه ازدانت الكعبة بكسوتها، في طقس يعكس تعظيم الروح قبل المظهر.
ثم… في مفارقة قاسية، شهد هذا اليوم أيضاً شرارة حربٍ عالمية.
اندلاع الحرب العالمية الأولى لم يكن مجرد صراع بين دول، بل بداية لانهيار إمبراطوريات، وإعادة رسم خريطة الشرق والغرب.
هكذا يمضي 27 رمضان…
ليس يوماً عادياً في تقويم الزمن، بل نقطة التقاء لقصص متباعدة، يجمعها خيط واحد:
أن التاريخ لا يتحرك ببطء دائماً…
أحياناً، يقفز.
وفي ليلة واحدة، يمكن أن تسقط دول، وتولد أخرى،
ويمضي رجال…
لكن أثرهم يبقى،
كأن الزمن نفسه يكتب اعترافه:
بكل تأكيد هذه رسالة
أن بعض الأيام لا تتكرر.


