19 رمضان… يومٌ تتقاطع فيه المصائر
ومضات رمضانيه
في صفحات التاريخ أيامٌ تمرّ كغيرها، وأيامٌ أخرى تبدو كأنها عقدة في نسيج الزمن؛ تشدّ الخيوط كلها نحوها، فتجمع بين البدايات والنهايات، بين الانتصار والانكسار، وبين ميلاد الدول ورحيل الرجال.
ومن تلك الأيام التاسع عشر من رمضان… يومٌ تتقاطع فيه مصائر أمة كاملة، بين فتحٍ صنع حضارة، وزفرةٍ أعلنت أفولها.
في فجرٍ بعيد من عام 92 للهجرة، كانت أمواج البحر تضرب صخور جبلٍ سيحمل لاحقًا اسم رجلٍ جاء من أقاصي المغرب.
وقف طارق بن زياد يتأمل الضفة الأخرى من البحر، حيث تمتد أرض لم يعرفها العرب من قبل.
لم يكن الجيش الذي يقوده كبيرًا؛ أكثره من البربر، يحملون سيوفًا قليلة وخبرة أكبر في الصبر من القتال.
لكنهم عبروا البحر بإيمانٍ جعلهم يرون في الضفة الأخرى مستقبلًا جديدًا.
وفي التاسع عشر من رمضان، بدأت الخطوة التي ستفتح باب الأندلس.
تقدّم الجيش في عمق شبه الجزيرة الأيبيرية، حتى جاءت اللحظة الفاصلة عند معركة وادي لكة، حيث انهارت قوة القوط، وتهاوت المدن واحدة تلو الأخرى:
إشبيلية، طليطلة، قرطبة…
ومن تلك اللحظة لم تعد الأندلس مجرد أرضٍ مفتوحة، بل تحولت إلى جسرٍ حضاري عبرت عليه علوم العرب والمسلمين إلى أوروبا التي كانت تعيش ظلمات العصور الوسطى.
لكن التاريخ – كما يفعل دائمًا – يكتب بداية الحكايات وهو يخبئ نهاياتها.
بعدمررور أكثر من مئة سنة، وازدهرت قرطبة حتى أصبحت درة العالم الإسلامي في الغرب.
لكن تحت هذا الازدهار كان الغضب يتراكم في صدور الناس.
في 19 رمضان سنة 202 هـ، اشتعلت المدينة.
كان أهل الربض الجنوبي من الصناع والفقهاء قد ضاقوا بضرائب الأمير وبطش حرسه.
فانفجرت ثورة عارمة ضد الأمير الأموي الحكم بن هشام، عُرفت في التاريخ باسم وقعة الربض.
لكن الأمير ردّ بقسوةٍ لا تُنسى.
هُدم الربض الجنوبي بالكامل، وسُوّي بالأرض، ونُفي خمسة عشر ألف بيت من سكانه.
تفرّق المنفيون في الأرض؛
فذهب بعضهم إلى فاس فبنوا حيًا عُرف بـ عدوة الأندلسيين،
وذهب آخرون إلى الإسكندرية، ثم مضوا بعدها ليؤسسوا إمارة إسلامية في جزيرة كريت استمرت أكثر من قرن.
وهكذا تحولت مأساة مدينة إلى بذرة حضارة جديدة في مكان آخر.
الزفرة الأخيرة… حين بكت غرناطة
ومرت القرون، وتقلّصت الأندلس شيئًا فشيئًا، حتى لم يبق منها سوى مملكة صغيرة تحتمي بجبال الجنوب: غرناطة.
ثمانية أشهر من الحصار الخانق.
الجوع كان أشد من السيوف.
أكل الناس الخيول… ثم القطط… ثم كل ما يمكن أن يطيل الحياة يومًا آخر.
وفي 19 رمضان سنة 897 هـ، وقّع آخر ملوك بني نصر، محمد الثاني عشر (أبو عبد الله الصغير)، معاهدة الاستسلام مع فرديناند الثاني ملك أراغون وإيزابيلا الأولى ملكة قشتالة.
قيل إن المعاهدة ضمّت سبعة وستين شرطًا تحفظ للمسلمين دينهم ولغتهم وقضاءهم…
لكن التاريخ يعرف أن تلك الشروط لم تعش طويلًا.
وعند تلةٍ تطل على قصر قصر الحمراء، وقف الملك المخلوع ينظر إلى مدينته للمرة الأخيرة ويبكي.
فقالت له أمه عائشة الحرة جملتها التي بقيت في ذاكرة التاريخ:
"ابكِ اليوم بكاء النساء مُلكًا لم تحفظه حفظ الرجال."
ومنذ ذلك اليوم صار المكان يُعرف باسم زفرة العربي الأخيرة.
حين تغيّر ميزان السلطة
لكن التاسع عشر من رمضان لم يكن يوم أفول فقط.
في عام 784 هـ، وفي قلعة الجبل بالقاهرة، جرت مبايعة رجل سيغير شكل الحكم في دولة المماليك.
إنه السلطان الظاهر برقوق.
لم يصل برقوق إلى الحكم بسهولة؛
بل خاض صراعاتٍ طويلة مع أمراء المماليك الأتراك، مستفيدًا من ضعف بيت قلاوون، حتى أسس ما عُرف لاحقًا بدولة المماليك البرجية.
وهكذا انتقل مركز القوة داخل الدولة من المماليك البحرية إلى الجراكسة الذين سكنوا أبراج قلعة الجبل.
رحيل رجال وبقاء الأثر
ويمتد خيط هذا اليوم إلى العصر الحديث أيضًا.
هكذا يبدو التاسع عشر من رمضان وكأنه مرآة للتاريخ الإسلامي كله؛
يبدأ بفتحٍ صنع حضارة في الأندلس،
ويمر بثوراتٍ وأزمات،
وينتهي بزفرة ملكٍ فقد أرضه…
ثم يعود ليحكي عن دولٍ قامت ورجالٍ رحلوا وتركوا أثرهم.
وكأن التاريخ يهمس لنا بحقيقة بسيطة:
إن الأمم لا تسقط في يومٍ واحد،
كما أنها لا تولد في لحظة واحدة.
بل هي حكاية طويلة…
تبدأ بخطوة شجاعة،
وتنتهي أحيانًا بزفرة.


