????ومضات رمضانيه ????الرابع عشر من رمضان… حين تبدّلت الرايات وتكسّرت الخيول
في فجرٍ رمضانيٍّ قديم، كانت دمشق تستيقظ على صوتٍ غير مألوف.
لم يكن الأذان وحده من يشقُّ سكون المدينة، بل خفقُ راياتٍ سودٍ تقترب من الأسوار، كأن الليل نفسه قرر أن يعلن نهاية عصرٍ ويوقّع بمداده صفحة جديدة.
هناك، عند ظلال الجامع الأموي، سقطت آخر أنفاس الدولة الأموية.
بعد معركة الزاب، دخلت جيوش العباسيين المدينة في 14 رمضان سنة 132هـ/750م، لا كغزاةٍ فحسب، بل كورثةٍ لتاريخٍ مثقلٍ بالسلطة والدم.
كانت دمشق تودّع زمنها الشامي، فيما كان العراق يستعد ليصبح قلب العالم الإسلامي الجديد.
هكذا تُطوى الدول… لا بضربة سيفٍ واحدة، بل بتحوّل بوصلة التاريخ.
بعد قرون، وفي القاهرة، كان رجلٌ يقف أمام قدره كما يقف الفارس أمام سيفٍ مكسور.
اسمه طومان باي.
في 14 رمضان 922هـ/1516م، أُلبس السلطان الشاب تاجًا من نار.
الدولة المملوكية تتهاوى، والعثمانيون يزحفون بقيادة سليم الأول.
رفض طومان باي العرش أول الأمر، كأن قلبه كان يدرك أن السلطنة هذه المرة ليست مُلكًا، بل شهادة.
قاتل في شوارع القاهرة، تحصّن بين أهلها، وصار اسمه مرادفًا للمقاومة الشعبية.
لكن النهاية جاءت على باب زويلة، حيث تعلّق الجسد، وبقيت الحكاية.
ومنذ ذلك اليوم، صارت مصر ولايةً عثمانية، وصار طومان باي رمزًا للفداء.
غير بعيدٍ عن ذلك الزمن، كان صبيٌّ يتربّع على عرشٍ أكبر من عمره.
الناصر حسن بن قلاوون، الذي سيُخلّد اسمه لا بالحروب، بل بالحجارة.
شيّد في قلب القاهرة بناءً وصفه المؤرخون بأنه “هرم العمارة الإسلامية”: مسجد ومدرسة السلطان حسن.
كان البناء شاهقًا كأنما أراد أن ينافس السماء، وكأن السلطان الشاب يقول:
إن اضطرب الحكم، فليثبت الفن.
هكذا تُخلَّد الدول أحيانًا… لا بقوة السيف، بل بسموّ المعمار.
ثم جاء 14 رمضان آخر… لكنه كان مختلفًا.
لم تكن الرايات سوداء هذه المرة، بل ثلاثية الألوان، تتقدّمها مدافع حديثة وطبول حرب.
دخل نابليون بونابرت مصر، وظن أن القاهرة ستخضع كما خضعت مدن أوروبا.
لكن الأزهر لم يكن مجرّد مسجد، بل كان روح مدينة.
من صحن الجامع الأزهر انطلقت شرارة الثورة في 14 رمضان 1213هـ/1798م.
حمل الطلاب الحراب، وواجهوا المدافع.
قُتل الحاكم الفرنسي ديبوي، واشتعلت شوارع القاهرة.
فردّ نابليون بقسوة؛ قصف الأزهر من جبل المقطم، ودخلت الخيول صحنه الشريف.
كان المشهد صادمًا… خيولٌ في محراب العلم، وغبارُ حربٍ فوق سجاد الصلاة.
لكن التاريخ يعلّمنا أن المدافع لا تنتصر على الفكرة طويلًا؛ فقد انسحبت الحملة لاحقًا، وبقي الأزهر.
وفي ركنٍ آخر من هذا اليوم الرمضاني، رحلت أسماءٌ تركت أثرًا أعمق من الجيوش.
رحل محمد مصطفى المراغي، شيخ الأزهر الذي قال كلمته الشهيرة في وجه السلطة:
“إن المراغي لا يستطيع أن يحرّم ما أحل الله.”
كانت كلمته أقوى من قرار ملك، وأبقى من نفوذ قصر.
وقبله بقرون، رحل ابن عطاء الله السكندري، صاحب “الحِكم العطائية”، الذي علّم القلوب أن الطريق إلى الله ليس عزلةً عن الدنيا، بل تهذيبًا لها.
الرابع عشر من رمضان ليس تاريخًا عابرًا في سجل الأيام.
إنه مرآةٌ نرى فيها كيف تسقط الدول، وكيف تولد أخرى،
كيف يُشنق سلطان، ويُبنى مسجد، وتُقصف مئذنة، وتُقال كلمة حقٍّ في وجه ملك.
هو يومٌ يخبرنا أن الرايات تتبدّل،
والخيول تمرّ،
والمدافع تصمت…
لكن الفكرة تبقى.
والآن عزيزي القارئ ماهر توقعاتك :
اليوم 14رمضان1447؟


