أنباء اليوم
الأحد 25 يناير 2026 10:30 مـ 6 شعبان 1447 هـ
 أنباء اليوم
رئيس التحريرعلى الحوفي
تهنئة بعيد ميلاد سليم محمد عبد الستار غرينلاند أرض الروائيين والشعراء مصر تجدد التأكيد على دعمها لوكالة الأونروا والمؤسسات الإغاثية في الأراضي الفلسطينية المحتلة رئيس الوزراء يتابع جهود تحقيق الاكتفاء الذاتي من المنتجات البترولية مكتب المعادي التابع للمركز الإعلامي لحقوق الإنسان يكرم قيادات الشرطة محافظ أسوان وقائد قوات الدفاع الشعبى يشهدان البيان العملى لإدارة الأزمة من داخل مركز سيطرة الشبكة الوطنية بنك قناة السويس ينضم رسميًا إلى مبادرة الشراكة من أجل المحاسبة المالية للكربون الهيئة الوطنية للإعلام تهنئ وزارة الداخلية بمناسبة الاحتفال بعيد الشرطة محافظ الجيزة : تطوير ورصف طريق جسر المنوات بالحوامدية بطول 2 كم رئيس الوزراء يتابع موقف توافر التمويل المطلوب لمشروعات الكهرباء المستشار هشام بدوي يستقبل رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات لتهنئته بانتخابه رئيساً لمجلس النواب مدبولي يتابع الموقف التنفيذي للمشروعات في قطاع الطاقة وجهود جذب المزيد من الاستثمارات حيوي

غرينلاند أرض الروائيين والشعراء

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


أدب متجذر في التراث الشفهي القديم وموسوم بالتجربة الاستعمارية ومنفتح على الحداثة وقضايا العصر

عندما سمعت الرئيس دونالد ترمب يصف، في مؤتمر دافوس، غرينلاند بـ"قطعة جليدية باردة"، خطر في بالي للفور سؤال: هل هناك أدب غرينلاندي؟ ومن هم أدباء هذه البقعة الباردة من شمال الأرض؟ ,

في المكتبة العربية لم أجد أي كتاب من غرينلاند مترجماً إلى لغة الضاد، وكان يجب علي، كل من يجهل هذا الأدب تمام الجهل، أن يعود إلى المواقع الأدبية الفرنسية التي تُعنى بـ"أدب الشعوب"، لأحصاء أكثر من 200 كتاب مترجم من اللغة الغرينلاندية، التي تعد اللغة الرسمية منذ عام 1979 بعدما رافقتها اللغة الدانماركية عقوداً، هذه الكتب المترجمة تتوزع بين الرواية والقصة والشعر والتاريخ والسياسة والجغرافيا والسياحة الثلجية، وقد صدرت في دور فرنسية مهمة مثل غاليمار وسوي وأكت سود وسواها، عطفأ على دور اخرى في الدول الفرنكونية مثل كندا وسويسرا وبلجيكا...

علماً أن غرينلاند التي تعني باللغة الأصلية "أرض الناس" وبالدنماركية "الخضراء"، والتي تعد ثاني أكبر جزيرة في العالم بعد أستراليا، لا تضم سوى 65 ألف مواطن.
غرينلاند إقليم دنماركي يتمتع بالحكم الذاتي، يقع بين شمال المحيط الأطلسي والمحيط المتجمد الشمالي. يغطي الجليد جزءاً كبيراً من سطحها، بينما تعيش غالبية سكانها على امتداد السواحل الخالية من الجليد والمطلة على المضايق، ولا سيما في الجنوب الغربي.
والحديث هنايدور حول
الصراع على غرينلاند في رواية

"غرينلاند البلاد التي لم تكن يوماً للبيع" رواية جديدة عن الازمة

بالطبع، لسنا هنا بصدد البحث في تاريخ غرينلاند وجغرافيتها والصراع الأممي عليها، فهذا من شأن الباحثين. نحن بصدد الحديث عن رواية بوليسية بعنوان "غرينلاند البلاد التي لم تكن للبيع" كتبها روائي يدعى مو مالو، هو اسم مستعار لروائي فرنسي يُدعى فردريك مارس، ينحاز إلى شعب غرينلاند، وخصص أدبه وحياته في سبيله. تنطلق الرواية من إنذار وُجِّه إلى حكومة غرينلاند مدته خمس ساعات كحد أقصى، مُنحت لطرح بلد وشعب في مزاد علني: غرينلاند. تبرز في قلب اللعبة أربع دول: الولايات المتحدة والصين وروسيا والدنمارك. وأمام أنظار ملايين المشاهدين المذهولين في العالم، يعطي رئيس وزراء غرينلاند فريديريك كارلسن إشارة الانطلاق. خيانة؟ لا. إنه مكبل إلى كرسيه بالأصفاد. محتجز في زاوية بعيدة، زوجته وابنته رهينتان، معلقتان على كابل فولاذي، فوق الجليد القطبي. تمثل هذا الرواية البوليسية المأزق الذي تعيشه غرينلاند اليوم، إزاء إصرار الولايات المتحدة على ضمها، وسط صراع عميق مع أوروبا وروسيا خصوصاً.

لا شك في أن الأدب الغرينلاندي، على رغم صغر عدد الشعب، يحتل مكانة خاصة في خريطة الآداب العالمية، لا يمكن تجاهلها. هذا الأدب نشأ طوال حقبات في إطار الإرث الشفهي، ويتكئ مثل آداب الشعوب النائية على الأساطير والحكايات التي تداولتها جماعة الإنويت الأصلية (شبيهة جماعة الإسكيمو)، قبل أن يشرع الكتّاب في جعله يتحول تدريجاً إلى أدب مكتوب يسعى إلى الانصهار والتكامل اللغوي. ومعروف أن هذا الأدب تتقاطع فيه قضايا اللغة والاستعمار والهوية والحداثة

أما اللغة الأساس التي يُكتب الأدب بها فهي الغرينلاندية (الكالاليسوت)، ويكتب أحياناً بالدنماركية وبالإنجليزية، ويعكس التاريخ المعقد لإقليم غرينلاند، الإقليم القطبي الذي تشكلت ثقافته عند تخوم التقاليد العريقة والتأثيرات الأوروبية.

جدير بالذكر أن

الثقافة الغرينلاندية قامت على تقليد شفهي غني للغاية مثل بقية الثقافات العريقة. فقد كانت أساطير شعب الإنويت تروي نشأة العالم، وأصل الحيوانات، وقوى الطبيعة الخفية، والعلاقات بين البشر والأرواح. ولم تكن هذه الحكايات مجرد سرد خيالي، بل كانت تؤدي دوراً تربوياً واجتماعياً أساسياً، فتنظم رؤية العالم وتنقل القيم وتعلم مهارات البقاء في بيئة ثلجية وجليدية.

ويُقال إن الأغاني شكلت جزءاً مركزياً من هذا التراث الشفهي. فقد استخدمت في الطقوس، وفي السرد، وأحياناً في السخرية وتسوية النزاعات داخل الجماعة. وترك هذا الإرث الشفهي أثراً عميقاً في الأدب المكتوب لاحقاً، من حيث الإيقاع والبنية الدائرية للسرد وكثافة الرموز المستمدة من الطبيعة.

من المعروف تاريخياً أن الكتابة دخلت إلى غرينلاند خلال القرن الـ18 مع المبشرين الدنماركيين والألمان، وكان هدفهم الأساس دينياً يتمثل في ترجمة الكتاب المقدس والنصوص الليتورجية إلى اللغة الغرينلاندية. وأسهمت هذه الترجمات الأولى في تثبيت شكل اللغة المكتوبة ووضع أسسها.

ثم بدأ الغرينلانديون أنفسهم خلال القرن الـ19 باستخدام الكتابة للتعبير عن حياتهم وتجاربهم. فظهرت نصوص تاريخية وسير ذاتية وقصائد، متأثرة بالنماذج الأوروبية ولكن مشبعة بموضوعات محلية. وهكذا تحول الأدب إلى مساحة حوار بين الثقافة الإنويتية والثقافة الغربية. ثم ما لبث أن برز وعي وطني غرينلاندي مع بدايات القرن الـ20، وسعى الأدباء إلى تأكيد هوية ثقافية مستقلة عن الدنمارك. وأصبحت اللغة الغرينلاندية في قلب هذا المشروع، وغدا اختيار الكتابة بها فعلاً ثقافياً وسياسياً.

بعد الحرب العالمية الثانية، شهدت غرينلاند تحولات اجتماعية وسياسية عميقة، شملت التمدن والتعليم باللغة الدنماركية وسياسات تحديث واسعة. وتركت هذه التحولات أثراً بالغاً في الأدب. فانشغل الكتاب بقضايا فقدان المرجعيات الثقافية والاغتراب اللغوي، والآثار النفسية للاستعمار. وأصبح الأدب فضاءً نقدياً يعبر فيه عن الإحساس بالاقتلاع الداخلي والسعي إلى ترميم هوية مجروحة.

فى سياق متصل فإن الشعر القديم والحديث
يحتل مكانة محورية في الأدب الغرينلاندي المعاصر، لما يتيحه من تعبير مباشر ومكثف، وغالباً ملتزم. ويبرز الشاعر والموسيقي أقالوك لينغه (مواليد 1947) بوصفه صوتاً ثقافياً وسياسياً بارزاً، إذ تدافع قصائده عن حقوق الشعوب الأصلية وتحتفي بالعلاقة العضوية بين الإنسان والطبيعة القطبية.

ويعمد الشعر الحديث إلى استعادة عناصر من الشفاهة القديمة، مثل الإيقاع التكراري والصور الطبيعية القوية، محققاً استمرارية جمالية بين الماضي والحاضر. أما السرد الغرينلاندي المعاصر فيتميز بتنوع في الأشكال والموضوعات. فهو يعالج الصدمات الفردية مثل العنف والإدمان والوحدة، إلى جانب القضايا الجماعية المرتبطة بالتاريخ الاستعماري والسعي إلى الحكم الذاتي.

تعد مسألة الترجمة من أبرز التحديات التي تواجه الأدب الغرينلاندي، نظراً إلى كونه مكتوباً بلغة محدودة الانتشار. وتزداد صعوبة الترجمة بسبب الطبيعة التركيبية المعقدة للغة الغرينلاندية وخصوصياتها الثقافية. ومع ذلك، شهدت الأعوام الأخيرة اهتماماً متزايداً بترجمة هذا الأدب إلى الدنماركية والإنجليزية والفرنسية وغيرها، مما أسهم في توسيع دائرة قرائه عالمياً.

ولا غرابة في
أن تحتل القضايا البيئية والمناخية محوراً أساساً في الأدب الغرينلاندي المعاصر. فذوبان الجليد وتحول المناظر الطبيعية وتهديد أنماط العيش التقليدية ليست مجرد خلفية سردية، بل تجربة وجودية مباشرة. ويتناول الكتاب هذه التحولات من منظور معيشي، فالطبيعة لا تفصل عن الإنسان بل تعد ذاكرة ولغة وشريكاً في البقاء. وتمنح هذه الرؤية الأدب الغرينلاندي طابعاً إيكولوجياً مميزاً، مختلفاً عن كثير من الأدبيات البيئية الغربية. ويعد الكاتب ماتياس ستورش (1883–1957) من أبرز الرواد، ولا سيما بروايته Singnagtugaq الصادرة عام 1914، وتعد غالباً أول رواية غرينلاندية، وتعالج الرواية تحولات المجتمع الإنويتي في مواجهة الحداثة والاستعمار، وتكشف التوتر بين التقاليد القديمة ومتطلبات التقدم.