محمود علي صديق.. موهبة قرآنية من عمق دولة التلاوة المصرية
منذ عقودٍ طويلة، عُرفت مصر بأنها دولة التلاوة، ومنبع الأصوات الخاشعة التي ملأت القلوب نورًا، والآذان طمأنينة. ولم تكن الموهبة القرآنية يومًا حبيسة منصّة، ولا رهينة برنامج، بل كانت – ولا تزال – ثمرة بيئة خصبة، وشعبٍ يعشق القرآن، ويتوارث حُسن تلاوته جيلًا بعد جيل.
ويُحسب لبرنامج «دولة التلاوة» أنه أتاح مساحة طيبة لإبراز بعض الأصوات المتميزة، وأسهم في لفت الأنظار إلى عدد من القراء المجتهدين. غير أن من الإنصاف التأكيد على أن الأصوات الندية في مصر لا تقتصر على من وقفوا تحت أضواء هذا البرنامج أو غيره؛ فمصر، كما عهدناها، ولّادة بالمواهب في شتى المجالات، ولا تزال المساجد، والزوايا، والمحافل القرآنية تزخر بأصواتٍ لو أُتيح لها ما أُتيح لغيرها لسطعت بقوة.
ومن بين هذه المواهب التي تفرض نفسها بهدوء وثبات، يبرز اسم القارئ الشاب '>
وما يلفت الانتباه في أداء القارئ محمود علي صديق ليس جمال الصوت فحسب، بل صدق التلاوة، وحُسن الإحساس بالآيات، وهو ما يجعل المستمع يتفاعل تلقائيًا دون تكلّف أو تصنّع. وهي صفات لا تصنعها البرامج، بل تُصقل بالاجتهاد، والتربية القرآنية، وطول الملازمة لكتاب الله عز وجل.
إن تسليط الضوء على هذه النماذج لا يحمل أي انتقاص من التجارب الأخرى، بقدر ما هو تأكيد لحقيقة راسخة:
أن القرآن أكبر من أي منصة، وأن الموهبة الصادقة تجد طريقها ولو بعد حين.
وستظل مصر – بإذن الله – دولة التلاوة، بما فيها ومن فيها، بأصواتٍ معروفة، وأخرى لم تأخذ حقها بعد، لكنها قادمة لا محالة؛ لأن الأصل باقٍ، والمنبع لم ينضب.
وانطلاقًا من الواجب الأدبي تجاه كل موهبة صادقة، فإن القارئ الشاب محمود علي صديق يستحق أن يُسلَّط عليه الضوء، وأن تُمنَح له الفرصة التي تليق بصوته وأدائه واجتهاده. فهو نموذج لقارئ نشأ على حب القرآن، واحترام أحكامه، والسير على نهج المدرسة المصرية الأصيلة في التلاوة.
إن دعم هذه الأصوات ليس تفضّلًا، بل هو استثمار في مستقبل التلاوة، وضمان لاستمرار هذا الإرث العظيم. ونأمل أن يحظى القارئ محمود علي صديق، ومن هم على شاكلته، بالاهتمام الكافي من القائمين على المحافل القرآنية، ووسائل الإعلام، وكل من يعنيه أمر القرآن وأهله، حتى يصل صوتهم إلى القلوب كما يستحق.
فالموهبة الصادقة طريقها الاستمرار،
ومن أخلص للقرآن… رفعه الله، ولو بعد حين.






