زيغمونت باومان… هل فضحت الحداثة نفسها؟
لم تعد الحداثة الغربية بحاجة إلى خصوم من خارجها كي تُدان؛ فهي، منذ عقود، تتكفل بفضح تناقضاتها من داخل بنيتها الفكرية. فبينما تواصل التبشير بالتقدم والحرية والرفاه، تتكاثر الشهادات التي تكشف عن فقرها الأخلاقي وهشاشة علاقاتها الإنسانية.
ويأتي زيغمونت باومان، في كتابه «الحب السائل»، بوصفه واحدًا من أكثر الأصوات النقدية جرأة في مساءلة هذا المشروع، لا من موقع العداء للحداثة، بل من قلبها.
ما يطرحه باومان ليس مجرد تأمل في تحولات الحب والعلاقات العاطفية، بل تشريح شامل لمنطق الحداثة المتأخرة، التي حوّلت الإنسان إلى كائن استهلاكي، والعلاقات إلى عقود قصيرة الأجل قابلة للفسخ في أي لحظة.
فكما تُستهلك السلع وتُستبدل، تُدار العواطف بالمنطق ذاته: تجربة، اختبار، ثم تخلٍّ سريع.
واللافت أن هذا النقد لا يصدر عن خطاب نوستالجي يحنّ إلى الماضي، بل يندرج ضمن تقليد غربي طويل بدأ مع غوته وكافكا وسبنغلر، وبلغ ذروة معاصرة مع ألان دونو في نظام التفاهة.
ففي هذا المسار، لا تبدو الرأسمالية مجرد نظام اقتصادي، بل منظومة قيم تعيد تعريف الإنسان ذاته بوصفه مشروعًا مؤقتًا.
يذهب باومان إلى أن إنسان الحداثة لم يعد معنيًا بالالتزام، لا في الحب ولا في الزواج ولا في الدين ولا في اليوتوبيا. فالزمن «الصلب» الذي كانت فيه العلاقات مشدودة إلى التعهد والمعنى، أفسح المجال لزمن سائل بلا جذور، حيث يُقاس النجاح بقدرة الفرد على الانفلات لا على الثبات.
ويستعين باومان بأدب بودلير وكالفينو لتوصيف هذا التحول؛ فالشذرة، لا السرد المتماسك، باتت الشكل المهيمن على التجربة الإنسانية، تمامًا كما هي العلاقات القصيرة والمتقطعة في عالم اليوم. غير أن السؤال الإشكالي هنا: هل تمثل هذه السيولة تحررًا حقيقيًا من قيود الماضي، أم أنها شكل آخر من أشكال العبودية المقنّعة؟
يميز باومان بوضوح بين الحب والرغبة؛ فالأولى تنطوي على مخاطرة وبناء طويل الأمد، بينما الثانية نزوع استهلاكي يسعى إلى الإشباع ثم الانسحاب. لكن الحداثة، كما يرى، لا تحتفي إلا بالرغبة، لأنها قابلة للتسويق والتدوير، في حين يُنظر إلى الحب بوصفه عبئًا زمنيًا وأخلاقيًا.
ومع هيمنة التقنيات الرقمية، لم يعد الهروب من الالتزام مجرد خيار، بل أصبح بنية جاهزة، تسهّل الدخول في العلاقات والخروج منها، وتحوّل الرومانسية العميقة إلى استثناء ثقافي محصور في الروايات والأفلام.
هكذا تُستبدل فكرة «العلاقة» بفكرة «التجربة»، ويُستبدل المعنى بالمتعة السريعة.
لا يهاجم باومان الحداثة من الخارج، بل يضعها أمام مرآتها. فهل نحن أمام أزمة حب فقط، أم أمام أزمة إنسان فقد قدرته على بناء المعنى؟ وهل تمثل «السيولة» أفقًا للتحرر الفردي، أم علامة على فراغ أخلاقي عميق يتطلب إعادة نظر جذرية في مشروع الحداثة ذاته؟


