السيدة نفيسة متحف مفتوح لذاكرة القاهرة بين المقام و المعمار
في قلب القاهرة التاريخية، وتحديدًا في رحاب السيدة نفيسة رضي الله عنها، تتكشف واحدة من أندر خرائط الذاكرة العمرانية والروحية في مصر، حيث لا تقف المعالم منفصلة أو متجاورة بالمصادفة، بل تتشكل كنسيج متكامل يجمع بين المقام، والسبيل، والباب، والرباط، والمدفن، والقبة، في مشهد يختصر أكثر من ألف عام من تاريخ المدينة.
يبرز باب الصحراء كأحد أهم الشواهد المعمارية الباقية من العصر الإخشيدي، بل هو آخر باب صحراء قائم في عمارة مصر الإسلامية. وقد أُطلق هذا الاسم على الأبواب التي كانت تفضي خارج المدينة نحو الصحراء، تمر عبرها المواكب، ويهتدي بها السائرون، وتُغلق وقت الفتن والاضطرابات. ويذكر المقريزي في اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا أن كافور الإخشيدي كان يوكل الحراس بأبواب الصحراء، ويمنع الناس من الخروج أيام الاضطرابات، خاصة عند مشهد السيدة نفيسة، ما يعكس الدور الأمني والسياسي لهذه الأبواب، إلى جانب بعدها العمراني.
خلف ضريح السيدة نفيسة، يقف رباط أم العادل، الذي أنشأته السيدة أم العادل، زوجة الملك الأفضل ووالدة الملك العادل الأيوبي. يبدأ الدخول إليه عبر بوابة مهيبة، تقود إلى فناء مكشوف يطل على تربة بني المصلى الأشراف وقبة الخلفاء العباسيين، في مشهد يعكس مكانة الدولة الأيوبية وارتباطها بالمقدس. وقد أشار السخاوي في تحفة الأحباب وبغية الطلاب إلى أن أرباب الدولة حرصوا على العمارة بجوار مشهد السيدة نفيسة تبركًا بها، بينما أكد شمس الدين بن الزيات في الكواكب السيارة أن رباط أم العادل جزء من هذا النسيج الروحي والعمراني المتكامل.
في شارع سكة المراغة، أحد أقدم شوارع مصر الإسلامية، يقف مقام السيدة جوهرة، خادمة السيدة نفيسة وأمينة أسرارها وصاحبة شوراها. و أن عمر المقام تجاوز أكثر من ألف ومئتي عام. وقد ورد ذكر السيدة جوهرة في كتاب جامع كرامات الأولياء ليوسف النبهاني، حيث روى كرامة خروجها في ليلة مطيرة لإحضار ماء الوضوء لسيدتها دون أن تبتل قدماها. وعلى باب المقام نقش محبوها تعريفًا بها، يبرز مكانتها الروحية وارتباطها بالطريقة القاسمية الشاذلية البرامونية، لتظل رمزًا للوفاء والخدمة في التاريخ الإسلامي.
على امتداد سكة المراغة، يقف مدفن آل مغربية شاهدًا على أكثر من خمسة قرون من التحولات العمرانية. وتحمل واجهته رخامة تؤرخ لتجديده سنة 1209هـ، بما يعكس استمرارية العناية به. ويجاور المدفن سبيل (جشمة) ذو بزبوزين، اندثرا مع الزمن، لكن بقيت آثارهما شاهدة على ثقافة السبيل كصدقة جارية. ويتوسط المدفن المسافة بين باب الصحراء ومقام السيدة جوهرة، في موضع يجمع بين الدور الجنائزي والخيري والدفاعي والروحي.
وبالقرب من مسجد السيدة نفيسة، يقع مقام سيدي محمد أبو نشابة، خادم السيدة نفيسة وملازم مسجدها، الذي اتخذه منبرًا للعلم والذكر، وما زال المقام شاهدًا على الدور العلمي الذي لعبه خدام المقامات في نشر المعرفة الدينية، ليكون مقصدًا للمحبين والزوار عبر العصور.
ولا تقتصر جبانة السيدة نفيسة على الرموز الصوفية والتاريخ الوسيط، بل تحتضن أيضًا رموز مصر الحديثة. فهنا تقع مقبرة الشيخ محمد رفعت، صاحب الصوت الخالد وأول قارئ افتُتحت بصوته الإذاعة المصرية، لتجسد المقبرة ببساطتها سيرة رجل عاش للقرآن وترك أثرًا لا يزول. وعلى مقربة منها، تقف قبة ومقبرة حافظ إبراهيم، شاعر النيل وأحد أعمدة النهضة الأدبية الحديثة، بعناصرها المعمارية المميزة، لتخلّد شاعرًا حمل همّ الوطن واللغة والهوية، وتحوّل مدفنه إلى رمز ثقافي لا يقل أهمية عن شعره.
ويضيف هذا النسيج البصري والمعماري قبة المهندس مصطفى فهمي باشا، مصمم مبنى نقابة المهندسين المصرية، أحد رواد العمارة المصرية الحديثة، الذي مزج بين الجذور المعمارية المحلية ونظم البناء الحديثة، وترك بصمته على المشهد العمراني المصري من خلال مشاريع شملت المباني الحكومية والعمائر الإسلامية والمباني العامة. وتبرز قبته كرمز للحداثة المصرية، متجاورة في المكان مع رموز القاهرة التاريخية، لتجسد استمرار الروح المعمارية عبر العصور.
وتؤكد الباحثة في التراث المصري سلمى أحمد أن هذه الأماكن المتنوعة، من أضرحة الأولياء إلى الرموز الوطنية والمعمارية، تمثل نموذجًا نادرًا لفهم تخطيط القاهرة الإسلامية المبكر، حيث لا يمكن فصل عنصر عن الآخر، بل يجب قراءة المكان كوحدة عمرانية حيّة ومتكاملة تضم باب الصحراء، ومقام السيدة جوهرة، ومقام سيدي محمد أبو نشابة، ومدفن آل مغربية، وقباب الشخصيات الوطنية والمعمارية.
من باب الصحراء إلى رباط أم العادل، ومن مقام السيدة جوهرة إلى مدفن آل مغربية، ومن مقبرة الشيخ محمد رفعت إلى قبة حافظ إبراهيم، وصولًا إلى قبة المهندس مصطفى فهمي باشا، تتجلى القاهرة الجنائزية والمعمارية بوصفها مدينة متكاملة، لا تفصل بين الحياة والموت، ولا بين المقدس واليومي. إنها ذاكرة حيّة تكشف كيف بُنيت القاهرة على الرحمة، والأمان، والروحانية، وكيف ظل الحجر شاهدًا على تاريخ مدينة كانت ولا تزال عاصمة للعلم، والفن، والولاية.


