تجهيز العقل قبل الشنطة والمنافسة مع الأمس.. د. شيماء بيبرس في حوار خاص : المنع من الذكاء الاصطناعي ليس حلاً.. والاستمرارية أهم من الحماس المؤقت مع بداية العام الدراسي الجديد
مع إشراقة كل عام دراسي جديد، تتكرر الطقوس الأسرية والظواهر السنوية نفسها في كل بيت مصري: حقائب جديدة، طوابير لشراء الكتب والأدوات، ملابس مدرسية مجهزة، وجداول ومواعيد صارمة. لكن السؤال الجوهري والمقلق الذي يطرح نفسه دائماً: هل تعني هذه التفاصيل المادية أننا جهزنا أبناءنا حقاً لاستقبال عام دراسي ناجح ومستقر؟
في هذا الحوار الخاص، تلتقي جريدة "أنباء اليوم المصرية" مع د. شيماء بيبرس، الأكاديمية والمتخصصة في المناهج وطرق التدريس والباحثة في التطوير التعليمي، لتفكيك مفهوم مختلف تماماً عن "الجاهزية الدراسية"؛ مفهوم يرتكز بالمقام الأول على العقلية وبناء الوعي، وليس على تجميع الحقيبة وحساب الدرجات، مستعرضة روشتة تربوية متكاملة للطلاب، وأولياء الأمور، والمعلمين في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.. وإلى نص الحوار:
???? عقلية جديدة.. تجهيز العقل قبل الشنطة
- س: تؤكدين دائماً أن الجاهزية الحقيقية تبدأ من العقلية.. ماذا يعني عملياً أن يدخل الطالب السنة الدراسية الجديدة بعقلية جديدة؟
- د. شيماء بيبرس: يعني ببساطة ألا يدخل الطالب عامه الجديد حاملاً الأفكار والتجارب السلبية نفسها للعام المنصرم. دورنا كتربويين وأسر أن نساعده على مراجعة تجربته الماضية بهدوء: ما الأمور التي نجح فيها؟ وما النقاط التي تحتاج إلى تغيير؟ وما المهارات التي يتوجب عليه تطويرها؟ الجاهزية الحقيقية تبدأ عندما يفهم الطالب نفسه كمتعلم، ويكون لديه هدف ذاتي واضح يسعى إليه، وليس مجرد خوف مستمر من الدرجات والعقاب.
- س: لكن ماذا لو مرّ الطالب بتجربة متعثرة أو صعبة العام الماضي، سواء في تدني درجاته أو تشتت تركيزه في مادة معينة؟ كيف نساعده على البداية من جديد؟
- د. شيماء بيبرس: الخطوة الأهم هنا هي الفصل التام بين التجربة كحدث عابر وبين شخصية الطالب وقدراته؛ أي لا نترك تعثره في مادة ما أو قلة درجاته يدفعه لجلد ذاته والقول: "أنا فاشل". نساعده ليفهم أن التعثر جزء طبيعي من عملية التعلم البشرية، ونحدد معه بدقة الإجراءات التي تحتاج لتغيير. وبدلاً من إلقاء العبارات التقليدية مثل: "انسى ما حدث"، الأفضل أن نقول له: "تعلم مما حدث، ودعنا نبدأ معاً بطريقة مختلفة".
???? فخ الدرجات والمقارنات المدمرة
- س: أول سؤال يواجه به الطالب غالباً مع أول أيام الدراسة هو: "كم ستجمع من درجات هذا العام؟".. هل هذا هو السؤال الصحيح الذي نبدأ به؟
- د. شيماء بيبرس: الدرجات مهمة بلا شك كمؤشر تقييمي، لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون هي نقطة البداية أو الدافع الوحيد. الأفضل والأذكى أن نسأل الطالب: "ما هو هدفك الشخصي هذا العام؟ ما المهارة التي تحب أن تطورها في نفسك؟ ما الذي ستفعله بشكل مختلف؟"؛ لأن التركيز المفرط على الأرقام والدرجات يجعل الطالب يذاكر من أجل الإجابة في ورقة الامتحان فقط، وليس من أجل بناء معرفة وتعلم حقيقي يستفيد منه في حياته.
- س: وماذا عن آفة المقارنات الأسرية الشهيرة مثل: "انظر إلى ابن عمك أو فلان كم حصد من الدرجات".. هل تحفز هذه الطريقة الطلاب حقاً؟
- د. شيماء بيبرس: المقارنة المستمرة هي أسرع وسيلة لهدم الدوافع الصحية؛ لأنها تجعل الطالب يقيس قيمته الذاتية من خلال نجاح أو إخفاق الآخرين. الأفضل والبديل التربوي الصحيح هو أن نقارن الطالب بنفسه فقط: هل تطور مستواه عن الشهر الماضي؟ هل أصبح أكثر استقلالية في استذكار دروسه؟ هل نجح في التغلب على نقطة ضعف كانت تؤرقه؟ المنافسة الحقيقية والأكثر نجاحاً هي أن يكون الطالب اليوم نسخة أفضل من نفسه بالأمس.
???????????? ولي الأمر.. من دور "المراقب" إلى "الداعم"
- س: نتحدث كثيراً عن حاجة الطالب لعقلية جديدة، ولكن هل يحتاج ولي الأمر بدوره إلى بداية وعقلية جديدة مع العام الجديد؟
- د. شيماء بيبرس: بالتأكيد، وبشدة. في كثير من الأحيان نطلب من أبنائنا الهدوء والاتزان والثقة، في حين أننا كأولياء أمور نبدأ العام الدراسي بحالة عارمة من التوتر والقلق الشديد على الدرجات والمستقبل، وهو قلق ينتقل للأبناء تلقائياً. ولي الأمر بحاجة ماسة للانتقال من دور "المراقب الصارم والشرطي" إلى دور "الداعم والموجه"، ومن التركيز على النتيجة النهائية فقط إلى الاهتمام برحلة التعلم والاستمتاع بها.
- س: ومتى تتحول المتابعة الأبوية من دعم نفسي وتربوي إلى ضغط عصبي مدمر؟
- د. شيماء بيبرس: عندما يشعر الطالب بأنه مراقَب تحت المجهر طوال الـ 24 ساعة، حيث يتحول كل خطأ صغير إلى مشكلة كبرى، وكل نتيجة اختبار إلى ساحة للمحاسبة واللوم. الدعم الحقيقي هو أن أتابع ابني بذكاء وهدوء، وفي الوقت نفسه أترك له مساحة آمنة يتحمل فيها مسؤوليته تدريجياً؛ فهدفنا النهائي هو بناء إنسان يعرف كيف يدير ذاته وتعلمه بنفسه، لا إنسان ينتظر دائماً من يقف فوق رأسه ليوجهه.
????️ خارطة طريق الشهر الأول واستراتيجية الاستمرارية
- س: الشهر الأول في الدراسة يكون دائماً مشحوناً بالتغيرات: مواعيد نوم مختلفة، مدارس، واجبات، والتزامات جديدة.. ما هي أهم 3 ركائز يجب على الأسرة التركيز عليها؟
- د. شيماء بيبرس: الركيزة الأولى: تنظيم مواعيد النوم وبناء روتين يومي مستقر وتدريجي. الركيزة الثانية: عدم تحميل الطالب بكافة المسؤوليات والضغوط دفعة واحدة، ومساعدته على التدرج في تنظيم ساعاته اليومية. الركيزة الثالثة: المتابعة الهادئة والواعية في البداية؛ لكي نكتشف أي صعوبة أكاديمية أو نفسية مبكراً والتعامل معها قبل أن تتفاقم وتتحول إلى مشكلة معقدة.
- س: هل من الضروري أن يبدأ الطالب عامه الدراسي بأقصى طاقته وحماسه من اليوم الأول؟
- د. شيماء بيبرس: ليس بالضرورة أبداً، بل قد يكون ذلك ضاراً أحياناً. الأفضل هو الدخول في الروتين الدراسي بتدرج مدروس، خاصة بعد فترة إجازة صيفية طويلة. المهم ليس البدء بأقصى طاقة ممكنة ثم الانطفاء السريع، بل البدء بطريقة متزنة يستطيع الطالب الاستمرار عليها طوال العام الكروي الدراسي؛ فالاستمرارية دائماً أهم بكثير من الحماس المؤقت.
???????? المعلم والمنهج.. فرصة للمراجعة الذاتية
- س: بحكم تخصصك الدقيق في المناهج وطرق التدريس.. هل بداية السنة تمثل فرصة للمعلم أيضاً لمراجعة أدواته وطريقته؟
- د. شيماء بيبرس: حتماً، بداية العام هي التوقيت المثالي لكل معلم مخلص ليسأل نفسه: هل الأسلوب الذي اتبعته العام الماضي حقق تعلماً حقيقياً ومستداماً للطلاب؟ هل منحت طلابي فرصة كافية للتفكير، والسؤال، والتطبيق العملي؟ يجب أن ندرك جميعاً أن وجود "منهج قوي ومتميز" لا يعني بالضرورة حدوث "تعلم قوي"؛ فطريقة تقديم المعرفة والشغف الذي ينقله المعلم هما الحجر الأساس في نجاح العملية التعليمية.
???? التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي الـ AI
- س: ندخل هذا العام الدراسي والذكاء الاصطناعي (AI) أصبح متغلغلاً في حياة أولادنا.. هل نملك خيار المنع، أم نعلمهم كيف يستخدمونه؟
- د. شيماء بيبرس: المنع وحده خيار فاشل ولم يعد ممكناً أو واقعياً. نحن بحاجة ماسة لتعليم أبنائنا الاستخدام الواعي، الذكي، والأخلاقي للذكاء الاصطناعي. الأزمة لا تكمن في استخدام أداة تكنولوجية تساعد الطالب على الفهم، بل الأزمة الحقيقية هي استخدامها كبديل عن التفكير والتعلم والجهد العقلي. يجب أن نعلم الطالب كيف يسأل الـ AI، وكيف يتحقق من صحة المعلومات الممنوحة له، وكيف يناقش الإجابة، ليصبح الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة تثري عقله، لا بديلاً يلغي عقله.
???? الرسالة الأخيرة: الجاهزية وعي
- س: ختاماً.. لو أن هناك طالباً وولي أمر يقرأون حوارنا الآن، ويريدون بداية مختلفة ومضمونة، فماذا تقولين لهما؟
- د. شيماء بيبرس: أقول للطلب: لا تدخل العام الجديد وأنت مطالب أو تظن أنك يجب أن تكون مثالياً ومحروماً من الخطأ؛ ادخل وأنت مستعد للتعلم، والتطور، والاستفادة من أخطائك لبناء شخصيتك.
وأقول لولي الأمر: لا تحول بداية السنة إلى سباق ماراثوني محموم نحو الدرجات والأرقام؛ بل اجعلها فرصة حقيقية تساعد فيها ابنك على بناء ثقته بنفسه، واستقلاليتها، ووعيه بالحياة.
والرسالة الأهم التي يجب أن نعيها جميعاً هي: لسنا بحاجة للبدء مبكراً فقط.. بل بحاجة للبدء بشكل مختلف؛ فالجاهزية الحقيقية ليست في أن تبدأ مبدءاً.. الجاهزية الحقيقية في أن تبدأ بوعي، وبعقلية جديدة، وهدف أكثر وضوحاً.


