حين يتحول لباس الشباب إلى رسائل خفية تهدد الهوية
بقلم الباحثة والأديبة -أميره عبدالعظيم
لم يعد الخطر دائمًا يطرق الأبواب بصخب، بل أصبح يتسلل إلينا في هدوء، مطبوعًا على قميص، أو مختبئًا بين حروف أجنبية تبدو أنيقة، بينما تحمل في جوفها رسائل تصادم قيم المجتمع وتستهدف وعي أبنائه.
في الأسواق المحلية، يتجول آلاف الشباب مرتدين ملابس يختارونها لألوانها أو تصميمها، غير مدركين أن كثيرًا من الكلمات المطبوعة عليها ليست مجرد زخارف عصرية، بل عبارات تدعو إلى الإباحية، أو تروّج للعري، أو تحمل إيحاءات جنسية وألفاظًا مهينة، وربما رسائل أكثر خطورة تمس الأخلاق والهوية معًا.
من هنا ولدت مبادرة "من يحرّك السُّكَّر؟" من رحم مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي برئاسة الحاج الدكتور إدريس جرادات، لتفتح ملفًا ظلّ طويلًا خارج دائرة الاهتمام، رغم أنه يمس كل بيت، وكل أسرة، وكل شاب وفتاة.
فالمبادرة لا تنظر إلى قطعة الملابس باعتبارها مجرد منتج استهلاكي، وإنما باعتبارها وسيلة لنقل الأفكار، وأداة من أدوات القوة الناعمة التي تستطيع أن تتسلل إلى العقول وتسكنها دون استئذان. فاللغة ليست حبرًا على قماش، وإنما رسالة، وكل رسالة تترك أثرًا، سواء أدرك حاملها معناها أم جهلها.
كشفت المبادرة عن عشرات العبارات الأجنبية المنتشرة في الأسواق، والتي تحمل معاني تتعلق بالإباحية، والعري، والشهوة، والمراسلات الجنسية، والإهانة، بل وصل الأمر إلى عبارات تدعو بصورة صريحة إلى التحرش أو الاتجار الرمزي بالبشر، في مشهد يثير القلق ويطرح سؤالًا كبيرًا: كيف دخلت هذه الملابس إلى الأسواق؟ ومن يراجع مضامينها قبل أن تصل إلى أبنائنا؟
يرى الدكتور إدريس جرادات أن القضية ليست قضية أزياء، وإنما قضية وعي وطني. فحين يرتدي الشاب كلمات لا يفهم معناها، يصبح من حيث لا يدري وسيلة مجانية لنشر أفكار غريبة عن بيئته، ويغدو جسده لوحة إعلانية متنقلة تخدم مصالح ثقافية أو تجارية أو أيديولوجية لا تمت إلى مجتمعه بصلة.
مؤكداً أن حماية المستهلك لا ينبغي أن تقتصر على سلامة الغذاء أو جودة السلع، بل يجب أن تمتد إلى حماية العقل والوجدان، لأن أخطر ما يمكن استيراده ليس منتجًا فاسدًا، وإنما فكرة فاسدة تتخفى خلف تصميم جذاب أو علامة تجارية براقة.
وهذا مايدعو إلى ضرورة تشديد الرقابة على الملابس المستوردة، وإلزام المستوردين بتقديم ترجمة معتمدة لكل عبارة أجنبية قبل السماح بدخولها إلى الأسواق، إلى جانب إطلاق حملات توعوية في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام لتعزيز الوعي بخطورة هذه الظاهرة.
إن معركة الحفاظ على الهوية لم تعد تقتصر على الكتب أو المناهج أو وسائل الإعلام، بل أصبحت تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، حتى إلى ما نرتديه على أجسادنا. فالثقافات لا تغزو دائمًا بالدبابات، بل قد تعبر الحدود مطبوعة على قميص، أو مختبئة في كلمة أجنبية لا يلتفت إليها أحد.
في النهاية، لا تدعو مبادرة "من يحرّك السُّكَّر؟" إلى محاربة الموضة أو الانغلاق على العالم، بل تدعو إلى الوعي. فالانفتاح الحقيقي لا يعني أن نتخلى عن هويتنا، والحداثة لا تعني أن نحمل على صدورنا كلمات تهين قيمنا دون أن ندرك معناها. وبين حرية الاختيار وواجب المسؤولية، تبقى حماية عقول شبابنا مسؤولية وطن بأكمله، لأن الأمم لا تبدأ بالسقوط حين تفقد ثرواتها، وإنما حين تفقد وعيها


