هبه قاسم تكتب :ضجيج صرخات الماضي
"ضجيج صرخات الماضي" ليست مجرد عبارة عابرة فانها تحمل بداخل أناس من البشر الكثير من الألام القوية ،عن ذكريات مؤلمة واحداث تاريخية وصدمات من البشر وصرعات نفسية كل هذه الأحداث مروا بها بالماضي ورغم أنها من الماضي ، لكنها لا تزال أصداؤها مسموعة وتؤثر في حاضرهم رغم عنهم ،تعيق عيشتهم بسلام، حتي بعد أن كبروا بالعمر !ولكي تتفهمون مقصدي وعن ماذا اتحدث سأسرد لكم حكاية فتاة سطرت حكايتها بيدها ودموع عينيها تسبق ماتكتبه فقالت :
انا فرح الهاشم ابنه وحيدة لام واب، نشأتُ في الكويت، في منطقة الجابرية،كبرتُ فيها، وتكوّنت هويتي بين جدرانها ،لكن تلك الهوية لم تكن يومًا سهلة، ولا مستقرة، ولا حتى واضحة المعالم...كنُت طفلة لم أختر معاركي الأولى،ولم أطلب من الله هذا القدر من التعقيد المبكر والألم ، لكنه حدث فقط لأن أبي قرر ، ذات يوم، أن يتخلى عني قبل أن يحتويَني ،أن يقسوا عليا قبل أن يحن قلبه لي ،حين قال لي ببرودٍ جارح وأنا في الثامنة عشرة:"ليتني أستطيع أن أطلّقك كما طلّقت أمك… أنتِ خطأ!!!
من هناء ،بدأت المسافة التي لم تكن بيني وبينه فقط، بل بيني وبين هذا المكان كله الذي نشأت فيه، وقتها صار ذلك الوطن، في وعيي الطفولي، يشبه وجه الأب قاسيًا، ناقدًا، مشروطًا.
لم أراه يوماً رحيم عطوف عليا اتذكر انه كان يغضب إن ناديته "بابا" الكلمة التي حرمت منها رغم عني وامرني وقتها بل واصر علي ان انادية "يبا" فقط كأن اللغة نفسها اختبار انتماء.
كان يرفض شعري المنسدل علي كتفي كطفله صغيرة،
ويكره الجينز الذي أرتديه،وينتقد لون عينيّ التي لاذنب لي فيها …ولم يكتفي بنقد لون عيني بل بكل قسوة يقول إنني أبدو "وافدة" نعم كنت اشبه امي ليس شكلاً انما روحاً وقلب رحيم ،نعم ولي الشرف ان أشبه أمي الشقراء، المائلة إلى الضوء بجمال روحها وقلبها الرحيم فكان ذلك الشبه في نظره، خطأ آخر يحسبه لي .
فبدات غربتي الاولي من داخل البيت ، لتكوّن هي السبب الاول والاساسي في الحاجزٍ النفسي بيني وبين الكويت وطني الذي نشأت فيه ،الذي لم يعد مجرد مكانًا ،بل إحساسًا بالرفض.
حتي تساءلت نفسي كثيراً، مامعنى أن تكون كويتيًا؟هل بارتداء الملابس كالدراعة، الحجاب، الدشداشة أم اللهجة التي تتشكل بها الكلمات ،أم هو شيء آخر؟ شيء يشبه رائحة الأرض في أغسطس،وحرارة مقعد السيارة تحت شمس لا ترحم،ام صوت كيس "البفك" البطاطس بطعم الطماطم،وطعم حليب "كي دي دي" بالشوكولاتة في ظهيرة صيفية ثقيلة.
أيّهما أكثر انتماءً؟ أن تشبه المكان أم أن تحبّه؟هل الهوية شكل ،أم موقف،لون بشرة،أم صدق علاقة ومحبه؟
فماذا عن شخصٍ بعيونٍ زرقاء يحب بلاده بعمق، وآخر يشبه الأرض لونًا، لكنه يفسدها دون رحمة ولا استحياء من الله؟في أيّ جهة تقف الحقيقة؟
اتذكر اول توقيع في حياتي وقعته حين كنت طفلة صغيره ،ذلك لم يكن حلم إنما توقيع على محضرٍ في مخفر الشرطة !! نعم كنت طفلة،أمسك القلم لأول مرة،والضابط يقول لي:"اكتبي اسمك يا شاطرة كما تحبين ،لم أفهم يومها أنني أوقّع على قصة، ستلازمني العمر كله.
حين رفعت امي قضية على أبي بسبب تعنيفه لها، وأنا كنت الشاهدة الصامته ،التي تتعلم الكتابة من الألم.
تطلقا امي وابي مرتين، المرة الأولى، كان عمري سنة واحدة فقط ،في زمن الغزو، وكان الخوف أكبر من قدرتي على الفهم، أما المرة الثانية، فكانت في السابعة من عمري.
عدت إلى المنزل،فرأيت أبي يحمل اثاث البيت خارجًا شاهدت سريري، ألعابي، تفاصيل عالمي الصغيرة تخرج خارج البيت ،كنت أبكي وأقول له ،"لا…هذا سريري…هذه ألعابي…هذه حياتي."ارجوك لاترميهم بالخارج كان ينظر لي لكنه لم يسمعني!!! في الحقيقة،لم يطلق ابي امي هي فقط ومرتين!!
بل طلّقني انا ابنته مراتٍ لا تُحصى ولا تعد !!بصمته، بتجاهله، وقسوته واهماله ،بإطفائه المستمر لكل حلم حاولت أن أشعله حتي دمّر جسور تواصلي مع العالم، حتى داخل مدينتي. والشارع الذي حلمت أن أكتب فيه شارع الصحافةً، تحوّل كل شئ إلى قيدٍ نفسي،لم أستطع أن أتنفس فيه إلا لسنوات قليلة!!!رغم كل مامررت به من الم وخذلان وقسوة واهمال وفقدان الحب كنت أدفع ثمن اسمه، لا اسمي ،وأُحاكم على كتاباته، لا على صوتي ... بسببه أُغلقت أبوابٌ كثيرة في وجهي،لا لأنني فشلت ،بل لأنني كنت "ابنته"كنت أحاسب علي جرمه بحق الغير ،جرم اقترفه هو ولستُ انا، حتي تراكمت الخيبات فوق بعضها،طبقة فوق طبقة،
حتى صرت أبحث عن نفسي خارج هذا المكان الذي نشأت فيه وارحل لبلد اخر لربما اجد. مااحتاجه وافتقدته في هذا المكان ، وأخيراً وجدت ملاذي بمصر وتحديداً في القاهرة، المدينة التي احتضنتني دون أن تسألني: من أنتِ؟ ولا طالبتني بأن أُثبت انتمائي. فلم يهدأ أبي البيولوجي له بال ولم يكتفي بظلمة لي سرعاً ما حاول أن يسلبني حتى هذا الملاذ الأخير الذي يشعرني بطعم الحياة والسعادة… حين تطاول علي ملاذي والوطن احتضنني واحببته من كل قلبي مصر التي لم اتحمل أن يسئ لها وقررت ان اخرج عن صمتي فانفجرت...وتبرأت منه على الملأ، والله يشهد انه لم يكن ذلك تمردًا مني ، ولاعصيان بل محاولة أخيرة لإنقاذ نفسي .
هذه ليست فقط حكاية أب وابنته، ولا مجرد صراع مع مكان ،هذه حكاية هوية تُولد من الشقوق،ومن الأسئلة التي لا إجابات سهلة لها.
كان هناك سؤال يلاحقني منذ سنوات، يطرحه الأصدقاء السينمائيون، والإعلاميون، وحتى الغرباء بحكم عملي في الاخراج السينمائي : فرح لماذا لم تصنعي فيلمًا عن الكويت!؟
فكنت أهرب من الإجابة لأنني علي مدار عشرين عامًا، أحاول أن أدفن هذا الفيلم بداخلي، أو أؤجله، لوقت ما لا لأنني لا أحب الكويت، بل على العكس تمامًا أحبها لكنني لم أستطع أن أحبها كما ينبغي.
فكنت اسأل نفسي كيف يُحبّ الإنسان مكانًا تشكّلت فيه جراحه الأولى؟
كيف يحتضن أرضًا ارتبطت في ذاكرته بالخذلان قبل الحنان؟
هذا هو الفيلم الذي كنت أهرب منه طوال عشرين عامًا.وربما حان الوقت أخيرًا لأصوّره دون تردد
ليكن هو فيلمي القادم بمشيئة الله .



