أنباء اليوم
السبت 17 يناير 2026 08:48 مـ 28 رجب 1447 هـ
 أنباء اليوم
رئيس التحريرعلى الحوفي
نيجيريا تفوز على مصر بركلات الترجيح بكأس الأمم الإفريقية السفارة الأمريكية بالقاهرة تطلق سلسلة برامج عن الذكاء الاصطناعي نيجيريا تفوز على مصر بركلات الترجيح بكأس الأمم الإفريقية وزير الخارجية يستعرض أمام الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع التطور الذي شهدته الدبلوماسية المصرية وزير الخارجية يلقي كلمة أمام الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع لجنة الضبطية القضائية بالوزارة تتعاون مع النيابة العامة ”مكتب حماية الطفل والأشخاص ذوي الإعاقة والمسنين بالتفتيش القضائي” في واقعة اكتشاف شبكة للإتجار... شركة بي وان تطلق برنامج تدريب عملي متكامل لخريجي نظم معلومات الأعمال والمحاسبة من مختلف الجامعات المصرية ليفربول يتعثر بالتعادل أمام بيرنلى بالدوري الانجليزي الممتاز التعليم العالي: اللجنة الوطنية المصرية لليونسكو تعلن فتح باب الترشح لجائزة اليونسكو-الشارقة للثقافة العربية وزير الإسكان يشارك في افتتاح الدورة الثانية عشرة لمؤتمر أخبار اليوم الاقتصادي علاقات هشّة… حين تصير هيئة المجتمعات العمرانية : انتظام تشغيل محطة تحلية مياه البحر بمدينة المنصورة الجديدة

الذاكرة والمنفى بين الإسكندرية ونيويورك في فستان أحمر

سمير درويش يروي علاقة الابن بالأب في مرحلتين

جاء سمير درويش إلى الرواية من عالم الشعر، حاملاً حساً لغوياً دقيقاً، لكنه اختار هنا الابتعاد عن الشعرية المباشرة لمصلحة لغة تأملية تحليلية مباشرة في صوت الأب، وواقعية محايدة في صوت الابن.

هذا الانتقال من الإيقاع الشعري إلى السرد الواقعي يعكس رغبة في استكشاف أدوات جديدة للتعبير عن الفكرة، ليقدم نصاً يمزج بين عمق التجربة وبساطة التعبير، في بناء سردي متماسك ومتوازن. تنفتح الرواية منذ السطر الأول مع عبارة: "أبي رقد بسلام اليوم". فالابن الذي يرافق أباه في المستشفى، ويرتبط معه ارتباطاً عاطفياً وثيقاً، يسعى إلى فهم والده، ويجد نفسه محاصراً بأسئلة الوجود ذاتها التي عاناها مايكل: معنى الإيمان، والهوية، والوطن، والحب.

الوعي والموروث

تتوزع الرواية على زمنين متباعدين، وشخصيتين رئيستين يتقاطع وعيهما في مساحة السرد: الزمن الأول يعود إلى السبعينيات والثمانينيات من القرن الـ20، يرويه الأب مايكل بضمير المتكلم، وهو شاب مسيحي من الإسكندرية يدرس الفلسفة ويكتب الشعر، ويبني وعيه الفكري بصورة مستقلة عن الموروث والسائد في مجتمعه وبين رفاق الجامعة، خلال انتمائه للحركة الطلابية وإعجابه بالفكر اليساري. في هذا الزمن تتشكل مأساة حبه الأول، حين يقع في غرام فتاة مسلمة تدعى إيمان تدرس في قسم آداب إنجليزي، حب يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يواجه عالماً مغلقاً يزداد انغلاقاً مع تصاعد التيارات الإسلامية المتشددة.

تتبدى الإسكندرية هنا بوصفها فضاءً منفتحاً على البحر والحرية، ثم تضيق تدريجاً حتى تغدو سجناً رمزياً يحاصر الحب والفكر معاً. عبر تقنية الفلاش باك، يستعيد الأب تفاصيل تلك العلاقة، يعيد تركيب الماضي، بألم الخسارة لا بأمل الاستعادة. هذه المقاطع، من النص التي تحمل عنوان "فلاش باك" يفتتحها عبر مقتطفات منشورة في جرائد، أو خطب غايتها توثيق غليان الشارع المصري بداية من 1979، إذ تشير المقاطع إلى حملة الاعتقالات الواسعة التي قام بها السادات لرجال الدين والمثقفين في سبتمبر (أيلول) 1981، ثم حادثة المنصة واغتيال السادات في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، ولا يأتي تدوين هذه المصادر من فراغ، بقدر ما يغدو تعبيراً مباشراً عن تضافر الذاتي بالعام، وأثر التحولات السياسية والاجتماعية على حياة مايكل، يقول: "هذه ليست المرة الأولى التي تُكسر فيها ذراعي اليسرى، كُسرت أيضاً الثلاثاء في 18 من يناير 1977، وأنا أسير مع الآلاف من أهالي الإسكندرية بالشوارع في تظاهرات عارمة، غاضبة من رفع أسعار السلع الرئيسة، التظاهرات الغاضبة اندلعت من الإسكندرية ثم امتدت إلى القاهرة ومدن كثيرة أخرى... إيمان لم ترَ ذراعي المكسورة التي أعلقها في رقبتي وأنا أتخفى وأحضر المحاضرات محاذراً أن تراني".

بين عالمين

الزمن الثاني، في الرواية هو عام 2025، حيث يسرد الحدث بلسان الابن آندي أثناء وجود والده في غيبوبة داخل أحد مستشفيات نيويورك. الابن الذي نشأ في المهجر يواجه غياب أبيه الجسدي بقراءة تاريخه الروحي والفكري، من خلال استحضار مواقف وأحداث من الماضي وربطها باللحظة الآنية. هنا تتحول الغيبوبة، إلى حال رمزية للانقطاع بين جيلين، جيل عاش الأيديولوجيا والمطاردات الفكرية، وجيل تائه في عولمة بلا جذور.

يظهر الابن آندي بوصفه وسيطاً سردياً يحاول إنقاذ ماضي والده من التلاشي عبر فعل المواجهة والتذكر، غير أن عملية الاستعادة هذه تنقلب تدريجاً إلى عبء معرفي ووجودي، إذ تتحول الذاكرة إلى أداة لاستحضار ما يرغب في نسيانه، وتغدو، في منظور النص، تجسيداً لعجز الإنسان عن تجاوز ماضيه، كما في المشهد الذي يجمع بين مايكل وابنه وهو يعرض عليه صورة إيمان، ويحكي له عنها.

الزمن في الرواية لا يقدم خطيا، بل يتجلى كقوة دائرية تنغلق على ذاتها، تتلاشى فيها الأحداث عند لحظات بعينها شكلت وعي الأب ووجدان الابن معاً. ومن أبرز هذه اللحظات رؤية مايكل من بعيد لحبيبته إيمان بعد ثلاثة عقود، واكتشافه كم غيرها الزمن في المظهر والفكر، كما بدل موقعه هو في العالم، في هذه اللحظة تنكشف مأساة التحول الإنساني وتحول المعنى ذاته.

تتجلى قيمة هذه المواجهات في نجاح الرواية في إقامة جدلية بين الواقعي والرمزي، إذ تجمع بين واقعية مشاهد الابن في فضاء المستشفى والعمل وحياته اليومية في نيويورك، ورمزية عالم الأب الذي يتأسس على الكتابة والذاكرة وحب مبتور. ومن خلال هذا التوازي البنائي، تبنى دلالة وجودية أعمق، مفادها أن الزمن والذاكرة لا يسيران في خط واحد، بل يتقاطعان بوصفهما شرطين لتكون الوعي واستمرار الحياة رغم هشاشتها.

كاريزما الفكر والمرأة

شخصية مايكل هي المركز الروحي للرواية، تجمع بين المثقف الوجودي والعاشق المهزوم، عاش وسط أسرة محافظة، ودرس الفلسفة ليفهم العالم، لكنه وجد نفسه مطارداً من الجميع بسبب فكرة تبناها وعايشها، تقول: إن الحب لا يعرف ديناً، لكن مايكل يتميز بشخصية ذات كاريزما إنسانية طاغية، يجذب النساء إلى حياته بشكل هادئ، إذ يفتن بوعيه، وبنظرته للوجود. مارسيل زوجته التي تزوجها بعد انتقاله إلى أميركا اختارها بأسلوب عقلاني، أنجب منها آندي وماريو، ثم أدرك أنها امرأة مختلفة عنه تماماً، لذا يقع الطلاق بينهما بهدوء، في المقابل ثمة تلميح إلى هيام أختها نورا به، وتصريحها أنه نوع نادر من الرجال، لكنها تدرك أنها لا يمكن أن تقترن به.