عندما تُستهدف الذاكرة... الثقافة الفلسطينية تَستَحق أن تُحمى
بقلم الباحثة والأديبة -أميره عبدالعظيم
ليست الثقافة مجرد كتب تُقرأ، أو لوحات تُعلّق على الجدران، أو أفلام تُعرض على شاشات السينما. إنها الذاكرة الحية للشعوب، واللغة التي تروي تاريخها، والمرآة التي تحفظ ملامح هويتها عبر الزمن. وحين تصبح الثقافة هدفاً للحروب، فإن المستهدف الحقيقي ليس الحجر وحده، بل الإنسان نفسه، وتاريخه، وحقه في أن يروي قصته.
من هنا تكتسب المبادرة الإسبانية بعقد المؤتمر الوزاري للثقافة الفلسطينية في مدريد أهمية تتجاوز حدود العمل الثقافي التقليدي. فهي رسالة تقول إن حماية التراث ليست ترفاً فكرياً، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية، وإن الدفاع عن الثقافة لا يقل أهمية عن الدفاع عن حياة البشر، لأن الأمم التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءاً من وجودها.
ورغم أهمية انعقاد المؤتمر في العاصمة الإسبانية، فإن المفارقة التي أشار إليها وزير الثقافة الإسباني إرنست أورتاسون تبقى مؤلمة؛ إذ إن المكان الطبيعي لهذا اللقاء كان ينبغي أن يكون فلسطين، حيث يعيش التراث الذي يسعى الجميع إلى حمايته. غير أن واقع الحرب جعل من مدريد منصة لإيصال صوت الثقافة الفلسطينية إلى العالم، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
لقد أثبت التاريخ أن الحروب لا تستهدف البشر فقط، بل تستهدف أيضاً المكتبات والمتاحف والجامعات ودور العبادة والمخطوطات، لأن محو الذاكرة قد يكون أكثر دواماً من هدم المباني. فإعادة بناء الجدران ممكنة، أما استعادة الوثائق النادرة، والمقتنيات التاريخية، والأعمال الفنية التي تضيع إلى الأبد، فهي مهمة تكاد تكون مستحيلة.
ولهذا فإن النقاش حول حماية التراث الفلسطيني لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه قضية فلسطينية فحسب، بل باعتباره قضية تخص الإنسانية جمعاء. فالتراث الإنساني لا يعرف الحدود السياسية، وكل خسارة تصيب حضارة من الحضارات تمثل خسارة للبشرية بأكملها.
ولا تقتصر الثقافة الفلسطينية على الآثار والمباني التاريخية، بل تمتد إلى الأدب والشعر والرواية والمسرح والسينما والفنون البصرية، وهي جميعها أدوات حافظت على الرواية الفلسطينية عبر عقود طويلة، وقدّمت للعالم صورة مجتمع متمسك بحقه في الحياة والإبداع، رغم كل الظروف.
إن مشاركة فنانين ومثقفين ومؤسسات دولية في هذا المؤتمر تعكس إدراكاً متزايداً بأن الثقافة يمكن أن تكون جسراً للحوار، ووسيلة للدفاع عن الهوية، ولغة مشتركة تجمع الشعوب حتى في أكثر اللحظات انقساماً. غير أن المؤتمرات، مهما بلغت أهميتها، لن تحقق أهدافها ما لم تتحول توصياتها إلى برامج عملية لحماية المؤسسات الثقافية، وترميم ما دمرته الحروب، ودعم المبدعين الذين يحملون على عاتقهم مسؤولية حفظ الذاكرة الوطنية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن للعالم أن يتحدث عن حماية التراث الإنساني، بينما تقف كثير من الشواهد الثقافية مهددة بالاندثار؟ إن الإجابة لا تكمن في البيانات وحدها، بل في أفعال تضمن أن تبقى الثقافة حية، وأن يظل التاريخ شاهداً على وجود أصحابه.
فالهوية لا تُختزل في حدود جغرافية، ولا تُقاس بعدد المباني التي تبقى قائمة، وإنما بما يحتفظ به الإنسان من ذاكرة، وما يورثه للأجيال القادمة من لغة وفن وأدب وحكاية. وحين تُصان الثقافة، يُصان الإنسان؛ وحين تُحمى الذاكرة، يبقى الوطن حاضراً، مهما اشتدت العواصف.


