google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
الخميس 10 سبتمبر 2026 03:03 مـ 27 ربيع أول 1448 هـ
 أنباء اليوم
رئيس التحريرعلى الحوفي
محافظ أسوان يتفقد بشكل مفاجئ مقر الشهر العقارى ببركة الدماس محافظ المنوفية يناقش مستجدات الموقف التنفيذي لعدد من مشروعات قطاعي مياه الشرب والصرف الصحي وزيرة الإسكان تصدر 7 قرارات إزالة لمخالفات بناء بالساحل الشمالي الغربي ومدينة القاهرة الجديدة الداخلية: ضبط احد الأشخاص لقيامه بالنصب والإحتيال علي راغبى شراء الأثاث المنزلى غبر مواقع التواصل عميد المعهد القومي للسكر للتليفزيون المصري : مبادرة ”100 مليون صحة” أرست قواعد تطوير المنظومة الصحية في مصر مخاطر الأمن السيبراني الكامنة داخل مؤسستك الطبية «مستقبل وطن» يستعين بخبرات الدكتور محمد سناء الدين وافي في أمانة التجارة الداخلية والخارجية سينرجي كابيتال وناوي ناو تُغلقان الإصدار الثاني بقيمة 633 مليون جنيه.. والبرنامج يتجاوز حاجز المليار جنيه وزيرة الإسكان تتابع موقف تنفيذ عدد من المشروعات السكنية والخدمية بمدن الصعيد الجديدة رئيس الوزراء يُتابع المشروعات والخطط الحالية والمستقبلية في قطاع الطاقة الجديدة والمتجددة محافظة الجيزة تنهي استعداداتها لاستقبال العام الدراسي الجديد 2027/2026 وزارة الشباب والرياضة: الوفد الشبابي المغربي يزور المعالم السياحية والتراثية والثقافية بمحافظة الإسكندرية

جَبّانَةُ السيدة نفيسة ذاكرة القاهرة الروحية والإنسانية

السيدة نفيسة
السيدة نفيسة

كلمة "جَبَّانَة" تعني: المقبرة أو مكان دفن الموتى

وفي الاستعمال التراثي خاصة في مصر والمغرب العربي، تشير الجَبَّانَة إلى المقابر الواسعة التي تضم أضرحة وقِباب ومقامات، وليست مجرد مدفن صغير.

في قلب القاهرة التاريخية، حيث تختلط الأصوات بالصلوات والذكريات بالأنفاس، تقف جَبَّانَةُ السيدة نفيسة كصفحة حية من تاريخ المدينة وهي ليست مجرد مقبرة، بل مشهد واسع تتداخل فيه الأضرحة والقباب والرباطات ومقامات الأولياء والنساء الصالحات، إلى جانب مدافن الأدباء والسياسيين ورجال الفكر، لتشكل لوحة فريدة تلخص مسيرة مصر عبر العصور.

يبدأ السرد من مشهد وضريح السيدة نفيسة، حفيدة الإمام الحسن، التي استقرت بالقاهرة وتوفيت بها عام 208 هـ. الضريح الذي تحيطه القباب والمقامات كان ولا يزال مقصدًا للزائرين، تتجدد فيه البركة ويُعاد فيه حضور الذاكرة الصوفية و بقايا النقوش الخشبية والمعمار الفاطمي والمملوكي تشهد على قرون من التجديدات التي أبقت المشهد حيًا نابضًا.

حول الضريح تنتشر أضرحة نسائية بارزة، منها ضريح السيدة جوهرة التي ارتبط اسمها بالروحانيات الشعبية، وضريح الحاجة مغربية، مقام لامرأة صالحة ظل حيًا في الذاكرة الشعبية رغم غياب ذكره في المصادر الرسمية. يقصده الأهالي طلبًا للبركة، ويعكس حضور النساء في البنية الروحية للقاهرة، حيث تتحول الذاكرة الشفوية إلى جزء أصيل من تاريخ المكان.

وتتوزع القباب التاريخية التي تحكي عن عصور مختلفة: قبة الخلفاء العباسيين بما تحمله من رمزية سياسية ومعمارية، رباط أم العادل الذي مثل يومًا مركزًا للعبادة والتعليم في العصر الأيوبي، وأضرحة رموز دينية مثل سيدي موافي الدين وسيدي الحناوي، إلى جانب ضريح الموصلي الذي يربط بين القاهرة والعلماء الوافدين إليها.

لكن الجَبَّانَةَ شملت قبور شخصيات صنعت ملامح الثقافة المصرية الحديثة: الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر المجدد، والشيخ محمد رفعت صاحب الصوت القرآني الخالد، حافظ إبراهيم شاعر النيل، أحمد شوقي أمير الشعراء، وعلي باشا مبارك رائد التعليم الحديث، ويحيى حقي صاحب مدرسة أدبية فريدة، بالإضافة إلى قبة مصطفى باشا فهمي التي تحمل بصمة العمارة الخديوية.

تطل من قلب الجَبَّانَةِ معالم أخرى مثل باب الصحراء، بوابة رمزية ربطت قديمًا بين القاهرة والامتداد الصحراوي، ليظل شاهدًا على حركة القوافل وطقوس الرحيل والعودة. كل زاوية في الجَبَّانَةِ تختزن سردية عن علاقة المصريين بالموت والحياة، وعن كيفية تحول المدافن إلى ذاكرة ثقافية تتجاوز حدود الثرى.

ومع كل هذه القيمة الروحية والتاريخية، لم تسلم الجَبَّانَةُ من تهديدات العصر الحديث. تقارير عديدة حذرت من محاولات إزالة أو نقل بعض المدافن البارزة بحجة التطوير العمراني، ما أثار جدلًا واسعًا بين الحفاظ على التراث ومتطلبات التخطيط. في مواجهة ذلك يبرز دور الأهالي، والمؤرخين، والمهتمين بالتراث في توثيق النقوش والأسماء والقصص المرتبطة بكل ضريح، حتى لا تُمحى هذه الذاكرة من المشهد.

إن جَبَّانَةَ السيدة نفيسة ليست مجرد مكان للدفن، بل مرآة تعكس تداخل السياسة بالدين، والأدب بالروح، والذاكرة الشعبية بالتاريخ الرسمي. هي ذاكرة القاهرة، ومتحفها المفتوح الذي يجمع بين قباب العباسيين وصوت الشيخ رفعت وشِعر شوقي وبركة الحاجة مغربية. كل ضريح فيها ليس حجرًا صامتًا، بل صفحة من كتاب مصر الذي ما زال يكتبه أهلها

جيلاً بعد جيل.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0