google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
الخميس 10 سبتمبر 2026 10:31 صـ 27 ربيع أول 1448 هـ
 أنباء اليوم
رئيس التحريرعلى الحوفي
وزارة الشباب والرياضة: الوفد الشبابي المغربي يزور المعالم السياحية والتراثية والثقافية بمحافظة الإسكندرية وزير العمل يمنح شركات إلحاق عمالة بالخارج مهلة 6 أشهر لتوفيق أوضاعها وزير الري ونقيب المهندسين يبحثان تعزيز التعاون المشترك ودعم المهندسين وتطوير الخدمات المقدمة لهم جامعة القاهرة تعلن صدور الدليل الاسترشادي لإدارة المخاطر والأزمات لتعزيز الجاهزية المؤسسية واستمرارية الأعمال محافظ بني سويف يشهد احتفالية نقابة الأشراف بذكرى المولد النبوي الشريف 1448ه تحت عنوان ”ميلادك رحمة” تعرف على تفاصيل إصابة ثنائي الأهلي بمباراة المقاولون العرب رئيس الوزراء يشهد حفل افتتاح الدورة الثانية عشرة للألعاب الأفريقية للجامعات التعادل الإيجابي يحسم مباراة الأهلي والمقاولون بدوري ORA الداخلية: كشف ملابسات مقطع فيديو تغيب إحدى الفتيات بالشرقية نبيل فهمي يشارك في قمة الذكاء الاصطناعي بتونس ويلقي الكلمة الافتتاحية برشلونة يكتسح فينورد بخماسية في مستهل مشواره بدوري أبطال أوروبا الأمين العام لجامعة الدول العربية يزور مقر وزارة الخارجية التونسية

جَبّانَةُ السيدة نفيسة ذاكرة القاهرة الروحية والإنسانية

السيدة نفيسة
السيدة نفيسة

كلمة "جَبَّانَة" تعني: المقبرة أو مكان دفن الموتى

وفي الاستعمال التراثي خاصة في مصر والمغرب العربي، تشير الجَبَّانَة إلى المقابر الواسعة التي تضم أضرحة وقِباب ومقامات، وليست مجرد مدفن صغير.

في قلب القاهرة التاريخية، حيث تختلط الأصوات بالصلوات والذكريات بالأنفاس، تقف جَبَّانَةُ السيدة نفيسة كصفحة حية من تاريخ المدينة وهي ليست مجرد مقبرة، بل مشهد واسع تتداخل فيه الأضرحة والقباب والرباطات ومقامات الأولياء والنساء الصالحات، إلى جانب مدافن الأدباء والسياسيين ورجال الفكر، لتشكل لوحة فريدة تلخص مسيرة مصر عبر العصور.

يبدأ السرد من مشهد وضريح السيدة نفيسة، حفيدة الإمام الحسن، التي استقرت بالقاهرة وتوفيت بها عام 208 هـ. الضريح الذي تحيطه القباب والمقامات كان ولا يزال مقصدًا للزائرين، تتجدد فيه البركة ويُعاد فيه حضور الذاكرة الصوفية و بقايا النقوش الخشبية والمعمار الفاطمي والمملوكي تشهد على قرون من التجديدات التي أبقت المشهد حيًا نابضًا.

حول الضريح تنتشر أضرحة نسائية بارزة، منها ضريح السيدة جوهرة التي ارتبط اسمها بالروحانيات الشعبية، وضريح الحاجة مغربية، مقام لامرأة صالحة ظل حيًا في الذاكرة الشعبية رغم غياب ذكره في المصادر الرسمية. يقصده الأهالي طلبًا للبركة، ويعكس حضور النساء في البنية الروحية للقاهرة، حيث تتحول الذاكرة الشفوية إلى جزء أصيل من تاريخ المكان.

وتتوزع القباب التاريخية التي تحكي عن عصور مختلفة: قبة الخلفاء العباسيين بما تحمله من رمزية سياسية ومعمارية، رباط أم العادل الذي مثل يومًا مركزًا للعبادة والتعليم في العصر الأيوبي، وأضرحة رموز دينية مثل سيدي موافي الدين وسيدي الحناوي، إلى جانب ضريح الموصلي الذي يربط بين القاهرة والعلماء الوافدين إليها.

لكن الجَبَّانَةَ شملت قبور شخصيات صنعت ملامح الثقافة المصرية الحديثة: الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر المجدد، والشيخ محمد رفعت صاحب الصوت القرآني الخالد، حافظ إبراهيم شاعر النيل، أحمد شوقي أمير الشعراء، وعلي باشا مبارك رائد التعليم الحديث، ويحيى حقي صاحب مدرسة أدبية فريدة، بالإضافة إلى قبة مصطفى باشا فهمي التي تحمل بصمة العمارة الخديوية.

تطل من قلب الجَبَّانَةِ معالم أخرى مثل باب الصحراء، بوابة رمزية ربطت قديمًا بين القاهرة والامتداد الصحراوي، ليظل شاهدًا على حركة القوافل وطقوس الرحيل والعودة. كل زاوية في الجَبَّانَةِ تختزن سردية عن علاقة المصريين بالموت والحياة، وعن كيفية تحول المدافن إلى ذاكرة ثقافية تتجاوز حدود الثرى.

ومع كل هذه القيمة الروحية والتاريخية، لم تسلم الجَبَّانَةُ من تهديدات العصر الحديث. تقارير عديدة حذرت من محاولات إزالة أو نقل بعض المدافن البارزة بحجة التطوير العمراني، ما أثار جدلًا واسعًا بين الحفاظ على التراث ومتطلبات التخطيط. في مواجهة ذلك يبرز دور الأهالي، والمؤرخين، والمهتمين بالتراث في توثيق النقوش والأسماء والقصص المرتبطة بكل ضريح، حتى لا تُمحى هذه الذاكرة من المشهد.

إن جَبَّانَةَ السيدة نفيسة ليست مجرد مكان للدفن، بل مرآة تعكس تداخل السياسة بالدين، والأدب بالروح، والذاكرة الشعبية بالتاريخ الرسمي. هي ذاكرة القاهرة، ومتحفها المفتوح الذي يجمع بين قباب العباسيين وصوت الشيخ رفعت وشِعر شوقي وبركة الحاجة مغربية. كل ضريح فيها ليس حجرًا صامتًا، بل صفحة من كتاب مصر الذي ما زال يكتبه أهلها

جيلاً بعد جيل.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0