الرحيـــــــــل
كريم جلال
كانت بيئة "الباسيلوصور" بيئة متباينة بين المياه الضحلة والأرض الصلبة خلال العصر "الإيوسيني" منذ أكثر من 40 مليون عام على سطح كوكب الأرض، ومن ثم قرر الكائن البرمائي، ذو الأقدام الضخمة تغيير بيئته لتلائم جوعه المتفاقم، والتغير الجيولوجي المحيط، فترك اليابسة تماما، ورحل إلى أعماق المحيطات ليشكل لنا اليوم"الحيتان" بكافة أشكالها وصورها وإن لم يتخل عن هويته الأصلية فأبقى الرئة وبقايا الأقدام المتحورة إلى ذيل أفقي عكس كافة المخلوقات البحرية.
في توسع الإمبراطوريات المستمر كان التمدد لكافة دول العالم القديم أمر طبيعي ومبرر، ولما وصلت أسطورة العالم الجديد إلى البرتغال ورحل الأسطول الأول، ولحقه الأسطول الهولندي، ومن ثم الإنجليزي، وباتت المصالح متضاربة، حتى أصبحت"نيو-أمستردام" مدينة إنجليزية على ذات النسق "نيو-يورك"، مع مرور الزمن تأقلم السكان وانصهروا، وتقولب المجتمع الجديد بقواعد مختلفة تماماً عن أصوله المتباينة، وإن بقيت بعض العادات القادمة معهم من الكثير من البلدان، حتى أن اللغة نفسها لم تعد إنجليزية واحدة، بل هناك "إنجليزية" و"أمريكية"، تتباين بينهما المفردات والحروف.
انتقال المرء من بيئة لأخرى ليس بالأمر الهين، فهناك تحديات في التنقل وتحديات في المغامرة بكل ما هو معروف، لقاء كل ما هو مجهول، فتخلي المرء عن كل مايعلم، ليقامر بكل ما لديه لخطوة جديدة، من أرض معلومة التضاريس، مأمونة الجانب، إلى أرض مجهولة الأهوال، محفوفة المخاطر، للجهل بكل ما تشمل، إن قرار انتقال المرء من سكن لآخر، من عمل لآخر، أو قرار إنهاء عمل مستدام ، لبدء رحلة جديدة أو لمشروع جديد، كم المعوقات والصعوبات واللامعلوم قد يجعله متوتراً، متهيباً، قلقاً، أو فاقداً للهمة بعد حين.
في ظل التوسع المستدام حالياً بكافة أشكال التقنية، وكافة أشكال الأعمال بل واندثار العديد من المهن مقابل خلق مهن جديدة، يجعل المجهول متزايداً والمعلوم متناقصاً ، بشكل قد يؤثر على استشراف المستقبل ، ولعل عزيمة كل من لم يخلق مجالداً، تثبط بسرعة نيزك يتوق لاحتضان الأرض، فلم تعد دراسات الجدوى كافية، ولا حاضنات الأعمال وافية، لعل الأمر يحتاج إلى تنقية ذوي الروح المثابرة ، والنفس المحاربة منذ البداية لوضعهم على الطريق الصحيح قبل أن تُخرب عقولهم بنظرية البيات والبقاء.


