نجيب محفوظ والمجتمع المصري... قسوة الناقد أم رحمة العاشق؟
يوافق الثلاثين من أغسطس، ذكرى رحيل نجيب محفوظ، بعد عشرين عامًا من غياب الأديب الذي استطاع أن يجعل من الحارة المصرية عالمًا إنسانيًا يتجاوز حدود المكان والزمان.
رحل محفوظ، لكن شخوصه لم ترحل ،ما زالت تسير في الأزقة، وتجلس على المقاهي، وتصعد السلالم القديمة، وتحلم بالحب والسلطة والخلاص.
قد يبدو للقارئ حين يتأمل بعض أعماله، أن محفوظ كان قاسيًا على أبناء مجتمعه، فشخصيات كثيرة تحمل نقاط ضعف مؤلمة، وتعيش الفقر والخوف والانكسار، وبعضها يمارس القهر أو الخيانة أو الاستغلال. في «اللص والكلاب» نجد الانتقام والخيانة، وفي «بداية ونهاية» نرى أسرة يطحنها الفقر، وفي عالم «الفتوات» نشهد صراعًا شرسًا على القوة والنفوذ، بينما تكشف «زقاق المدق» عن وجوه متعددة لمجتمع تتشابك فيه الرغبات مع القيود.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوه هنا هل كان محفوظ قاسيًا بروايته على المصريين؟
في الحقيقة لم يقف محفوظ خارج المجتمع ليحاكمه، بل كان واحدًا من أبنائه، عاش تفاصيل القاهرة الكبرى، وشرب من هوائها، وحفظ وجوه أهلها، واحتفظ في ذاكرته بأصوات أحيائها وروائحها وحكاياتها،لذلك لم تكن كتابته إدانة لشعب، بقدر ما كانت محاولة لفهم الإنسان وهو يصارع واقعه.
لقد وضع محفوظ المجتمع أمام مرآة صافية، والمرآة لا تكره من يقف أمامها حين تكشف تجاعيده.
كان يرى الفقر، لكنه لم يرَ الفقير مجرد رقم في سجل اجتماعي، وكان يرى القهر، لكنه لم يحوّل ضحيته إلى كائن عاجز بلا روح. وكان يكتب عن الفتوة والسلطة والعنف، لكنه كان في العمق يطرح سؤالًا أكبر: ماذا يحدث للإنسان عندما تصبح القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها المجتمع؟
وهنا تكمن أهمية عالم محفوظ،فهو لا يقدم شخصيات بيضاء بالكامل ولا سوداء بالكامل. حتى الشخصية الشريرة تحمل شيئًا من ضعف الإنسان، وحتى الضحية قد ترتكب خطأً، وحتى الحالم قد يتحول إلى جلاد عندما تتغير موازين القوة.
ولعل بعض الصورة القاسية التي التصقت بعالم محفوظ جاءت أيضًا من السينما التي اقتبست أعماله، فقد ركزت أفلام عديدة على الحارة والفتوات والصراع على النفوذ، وحوّلت بعض العناصر الروائية إلى مشاهد أكثر عنفًا ووضوحًا. وهنا يحب أن لا نخلط الأوراق بين الرواية والاقتباس السينمائي، فمحفوظ كان يترك في رواياته مساحة واسعة للتأمل في الدوافع والخلفيات، بينما تضطر السينما أحيانًا إلى تكثيف الصراع وتحويله إلى فعل مرئي.
لكن محفوظ لم يكن مجرد ناقد اجتماعي يرصد العيوب، بل كان كاتبًا شديد الحساسية تجاه الإنسان، ففي (الثلاثية) مثلًا، لا نقرأ تاريخ أسرة فحسب، بل نقرأ تحولات مصر نفسها صراع الأجيال، وتبدل الأفكار، واختلاف العلاقة بين السلطة والدين والحب والحرية.
لقد أحب محفوظ القاهرة بطريقة لا تخلو من العتاب. ومن يحب مدينة إلى هذا الحد لا يستطيع أن يجاملها في كل شيء.
كان يرى جمالها وقسوتها معًا، طيبتها ونفاقها، أحلامها وانكساراتها. لذلك جاءت شخوصه قريبة من الناس ،ليست ملائكة ولا شياطين، وإنما بشر يبحثون عن نافذة صغيرة في جدار الحياة.
ومن هنا، فإن وصف محفوظ بأنه قاسٍ على أبناء بلده قد يكون ظلمًا لتجربته الأدبية. لقد كان قاسيًا، نعم، ولكن قسوة الكاتب الذي يريد أن يوقظ لا أن يهين، وأن يكشف لا أن يشمت.
لقد منح المصريين حضورًا أدبيًا عالميًا، وجعل من الحارة المصرية مسرحًا للأسئلة الكبرى: الحرية، والعدالة، والسلطة، والمصير، والحب، والموت.
هذه ليست قسوة الكاتب على مجتمعه، بل واحدة من أصدق صور الوفاء له.


