في الولجة.. حكاية شجرة تختزن ذاكرة المكان
أميره عبدالعظيم تجري حوار صحفي مع الدكتور إدريس محمد صقر جرادات
مدير مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي
إليكم نص الحوار:
في قرية الولجة، جنوب غربي القدس، تقف زيتونة عتيقة تتجاوز صورتها كشجرة معمّرة، لتتحول في الذاكرة الشعبية إلى شاهد على التاريخ، ورمز للأرض، ووعاء لحكايات تناقلتها الأجيال.
حول زيتونة الشيخ أحمد البدوي ارتبطت روايات عن الكرامات والبركة والنذور، وحكايات عن الخوف من إيذائها، وقصص شعبية جعلت منها واحدة من الأشجار التي تحتل مكانة خاصة في الوجدان الفلسطيني.
في هذا الحوار، يصطحبنا الحاج الدكتور إدريس محمد صقر جرادات، مدير مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي، في جولة بين جذور الشجرة وحكاياتها، موضحًا ما يرتبط بها من معلومات تراثية وروايات شعبية.
بدايةً دكتور إدريس، أين تقع زيتونة الشيخ أحمد البدوي، وما الذي يميزها؟
تقع الزيتونة في قرية الولجة جنوب غربي القدس، وهي من الأشجار المعمرة التي ارتبطت بتاريخ المكان وذاكرته الشعبية.
وتشير تقديرات متداولة إلى أن عمرها يقارب خمسة آلاف وخمسمائة عام، وهي تقديرات منسوبة إلى خبراء إيطاليين. ويصل ارتفاعها إلى نحو ثلاثة عشر مترًا، وتمتد مساحة ظلها إلى قرابة ربع دونم.
كما تُروى معلومات عن إنتاجها السنوي الذي يتراوح بين خمسمائة وستمائة كيلوغرام من الزيتون، مع نسبة استخراج زيت تصل إلى نحو ثلاثين في المائة، ويقال إن زيتونها من الأصناف ذات الجودة العالية.
ولماذا ارتبط اسمها بالشيخ أحمد البدوي؟
بحسب الرواية الشعبية المتوارثة، تُنسب الشجرة إلى الشيخ أحمد البدوي، الذي يُروى أنه قدم من المغرب في عهد صلاح الدين الأيوبي، ودخل القدس عبر طريق الولجة.
ولهذا أصبح اسم الشجرة مرتبطًا بالشيخ، وأصبحت في المخيال الشعبي رمزًا للبدايات والنهايات، وجزءًا من الحكاية التي تناقلها أهالي المنطقة عبر الأجيال.
هل ما زالت الشجرة تحت رعاية عائلة بعينها؟
نعم. تُنسب ملكيتها، وفق الرواية المتوارثة، إلى وقف ذري لعائلة أبو علي، بعدما وهبتها الحجة حمدة أبو علي.
ويتولى رعايتها اليوم صلاح أبو علي، وهو من الجيل الرابع للعائلة، حيث حافظت الأسرة على الشجرة باعتبارها جزءًا من تراثها وتراث المكان.
نسمع كثيرًا عن «هيبة» هذه الزيتونة.. ماذا تقصدون بذلك؟
الهيبة هنا مرتبطة بالموروث الشعبي. فقد نسج الأهالي حول الشجرة مجموعة من الحكايات والمعتقدات التي جعلت إيذاءها أمرًا غير مقبول.
وكانت هناك روايات عن التبرك بها، والنذور، وإعداد الطعام وتوزيعه على الفقراء، إلى جانب استخدام الزيت والأوراق في بعض الممارسات الشعبية.
وبغض النظر عن مدى صحة هذه المعتقدات من الناحية العلمية، فإنها أدت وظيفة تراثية مهمة، وهي حماية الشجرة والمحافظة عليها من القطع والعبث.
ومن أشهر ما يروى أخذ سبع ورقات من الشجرة.. فما قصة ذلك؟
تتحدث الذاكرة الشعبية عن أخذ سبع ورقات من الزيتونة لاستخدامها في ممارسات شعبية مرتبطة برد العين والحسد.
والرقم سبعة له حضور واسع في الموروث الشعبي، وقد ارتبط عند كثير من الناس بمعاني الحماية والاكتمال.
وكانت الأوراق تستخدم، بحسب الروايات، بطرق مختلفة، مثل نقعها في الماء أو تبخيرها، وهي ممارسات تدخل في إطار المعتقد الشعبي ولا ينبغي تقديمها باعتبارها علاجًا طبيًا مثبتًا.
وهناك قصة غريبة تقول إن غصنًا من الشجرة تحول إلى «حنش».. هل يمكن أن تحدثنا عنها؟
هذه من أشهر الحكايات التي ارتبطت بالزيتونة.
يُروى أن أحد الأشخاص أخذ جزءًا من جذع الزيتونة ليستعمله في بناء سقيفة، ثم بدأ يرى الجذع في صورة حنش، أي أفعى سوداء، تتحرك أمامه.
فخاف وذهب إلى أصحاب الشجرة وأخبرهم بما يرى، فنصحوه بأن يعيد الجذع إلى أمه، أي إلى الشجرة التي اقتطع منها.
وبالفعل أعاده إليها، وانتشرت القصة بين الناس، وأصبحت سببًا إضافيًا في ترسيخ الاعتقاد بحرمة إيذاء الشجرة.
ما الدلالة التراثية لهذه الحكاية؟
الدلالة الأهم ليست في إثبات تحول الجذع إلى أفعى، وإنما في الرمزية الشعبية للحكاية.
فأهل المنطقة تعاملوا مع الزيتونة بوصفها كائنًا حيًا له أصل وجذور، ولذلك جاءت العبارة الجميلة: «أعيدوا الجذع إلى أمه».
وهذا التعبير يكشف علاقة الإنسان الفلسطيني بالأرض والشجرة، ويبين كيف يمكن للحكاية الشعبية أن تؤدي دورًا في حماية البيئة والتراث.
هل توجد حكايات مشابهة عن أشجار الزيتون في فلسطين؟
بالتأكيد. الموروث الفلسطيني غني جدًا بحكايات الأشجار المباركة والمعمرة.
هناك، مثلًا، روايات عن زيتونة ستنا مريم، تقول إن السيدة مريم عليها السلام استظلت تحت إحدى أشجار الزيتون أثناء رحلتها، فانحنت أغصانها لتظلّلها.
وهناك أيضًا حكاية الزيتونة التي بكت أصحابها بعد تهجيرهم، وهي رواية رمزية تعبّر عن ارتباط الشجرة بأهلها، وكأنها تشاركهم الحزن على الفراق.
وماذا عن حكاية انتقام الزيتونة من البخيل؟
هذه أيضًا من الحكايات الشعبية ذات المغزى الأخلاقي.
تروي الحكاية أن رجلًا ميسورًا رفض إعطاء الفقراء نصيبهم من الزيت كما جرت العادة، وفي موسم القطاف لم يخرج من معصرته زيت كما كان يتوقع، بل خرج ماء أسود، وظلت الشجرة لا تثمر، بحسب الرواية، حتى نذر إطعام الفقراء.
هذه الحكاية تعكس قيمة التكافل الاجتماعي وتقاسم الخير، وتربط بين بركة الأرض وكرم الإنسان.
هل كانت أشجار الزيتون تستخدم في الصلح والحلف؟
نعم، تروي الذاكرة الشعبية أن بعض أهالي القرى كانوا يختارون أقدم زيتونة في المكان لعقد الصلح بين العائلات أو أداء القسم.
وكان الاعتقاد أن الشجرة المعمرة شاهدة على العهود، وأن الحلف الكاذب تحت ظلها قد يجلب السوء أو يقلل الخير.
وهنا تتحول الشجرة إلى شاهد رمزي على العهد والميثاق.
في رأيكم، ما الذي يجعل زيتونة الولجة مهمة اليوم؟
أهميتها لا تكمن فقط في عمرها أو حجمها أو إنتاجها، وإنما في الذاكرة التي تحملها.
إنها شاهد على علاقة الإنسان الفلسطيني بأرضه، وعلى قدرة الحكاية الشعبية على حفظ تفاصيل لا نجدها دائمًا في الكتب.
الشجرة باقية، بينما تعاقبت الأجيال من حولها. ولذلك فإن الحفاظ عليها ليس حفاظًا على شجرة فقط، بل حفاظ على جزء من الذاكرة الشعبية للمكان.
كلمة أخيرة.. ماذا تقولون عن هذه الزيتونة للأجيال الجديدة؟
أقول لهم: لا تنظروا إلى الزيتونة باعتبارها شجرة فقط.
انظروا إلى جذورها، وستجدون الأرض.
وانظروا إلى جذعها، وستجدون التاريخ.
وانظروا إلى أغصانها، وستجدون ذاكرة الأجيال.
وقد تختلف الروايات الشعبية في تفاصيلها، وقد يصعب إثبات بعضها تاريخيًا، لكن هذا لا يلغي قيمتها بوصفها جزءًا من التراث الشفهي.
إن زيتونة الشيخ أحمد البدوي في الولجة تظل حكاية فلسطينية ممتدة بين الأرض والإنسان والذاكرة؛ حكاية بدأت من الجذور، وما زالت أغصانها تحكي للأجيال قصة المكان.


