عند الله تجتمع الخصوم
بقلم – محمد فاروق
أرسل الله الرسل، وبعث الأنبياء، وأنزل الكتب السماوية هدايةً للناس، ودعوةً إلى توحيده وإفراده بالعبادة، وإلى إعلاء قيم العدل والحق والتراحم والمساواة بين البشر.
وقد أرشدنا الإسلام إلى أن التفاضل بين الناس لا يكون باللون أو النسب أو المال، وإنما بالتقوى والعمل الصالح، وحذّر من الظلم لما يترتب عليه من آثار في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: «وَالظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
ويأتي يوم القيامة يومًا تُعرض فيه الأعمال، ويُحاسب كل إنسان على ما قدم، ويُقام العدل الكامل الذي لا يضيع معه حق، ولا يُظلم فيه أحد.
فالميزان يومئذٍ هو القسط، والله سبحانه وتعالى هو العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة، ويعلم خفايا النفوس ودقائق الأعمال، ويحاسب كل إنسان على ما قدمه من خير أو شر.
والجزاء من جنس العمل؛ فمن أحسن وأطاع واستقام فله الجزاء الحسن، ومن أساء وظلم وتعدى على حقوق الآخرين فسيجد ما قدمه أمامه، مصداقًا لقوله تعالى: «فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ».
ومع وضوح هذه الحقيقة، يظل الإنسان مطالبًا في حياته الدنيا بأن يراقب الله في أقواله وأفعاله، وأن يحفظ حقوق الآخرين، وألا يجعل القوة أو المال أو المكانة سببًا في التعدي على حق غيره.
وقد حثّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على حسن الخلق، وجعل الأخلاق من أعظم ما يرفع مكانة الإنسان، فقال: «إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا».
ومن المؤسف أن صور الظلم والتعدي على الحقوق ما زالت موجودة في مجتمعات مختلفة حول العالم، سواء بين الأفراد أو الجماعات، وقد يشاهد الإنسان أحيانًا صورًا مؤلمة من المعاناة الإنسانية، وهو ما يؤكد أهمية التمسك بقيم الرحمة والعدل واحترام كرامة الإنسان.
فالعدل قيمة إنسانية عظيمة، لا ترتبط بفرد أو مجتمع أو مكان بعينه، وإنما هي مسؤولية أخلاقية ودينية تقع على عاتق الجميع، كلٌّ في موقعه، وفي حدود ما يستطيع.
ومن هنا تأتي أهمية الإيمان بأن الدنيا ليست نهاية المطاف، وأن هناك يومًا تُرد فيه الحقوق، ويُحاسب فيه كل إنسان على عمله، وتظهر فيه الحقائق كاملة، بعيدًا عن أحكام البشر وتقديراتهم.
فإذا كان الإنسان يؤمن بأن الدنيا فانية، وأن هناك حسابًا لا يفوته شيء، فإن ذلك الإيمان ينبغي أن يدفعه إلى مراجعة نفسه، ورد المظالم إلى أصحابها، والعفو حين يكون العفو خيرًا، والابتعاد عن إيذاء الآخرين أو الانتقاص من حقوقهم.
إن الأمل الحقيقي للمظلوم والمقهور ليس في الفوضى أو الانتقام، وإنما في عدالة الله التي لا تخطئ، وفي أن يأخذ كل ذي حق حقه، وأن يدرك الجميع أن الحقوق لا تضيع عند الله، وأن العدل في النهاية هو الميزان الذي يستقيم به حال الإنسان والمجتمع.
وعند الله تجتمع الخصوم، وهناك يظهر الحق كاملًا، ويأخذ كل إنسان جزاء ما قدمت يداه.


