رباط أم العادل الأثر الأيوبي المنسي في رحاب السيدة نفيسة
في قلب منطقة السيدة نفيسة، وخلف قبة الخلفاء العباسيين، تقف بقايا أثر أيوبي نادر كادت أن تطويه صفحات النسيان، وهو «رباط أم العادل»، أحد أقدم المنشآت الاجتماعية والخيرية التي شهدتها القاهرة في العصر الأيوبي. ورغم ما تعرض له من اندثار عبر القرون، فإن ما تبقى من جدرانه ومحاريبه ما زال يروي قصة امرأة لعبت دورًا مهمًا في تاريخ الدولة الأيوبية، هي الست خاتون أم السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب.
كان الرباط قائمًا إلى جوار مشهد السيدة نفيسة، وقد أنشئ تبركًا بمكانة صاحبة المقام، ليكون مأوى للعجائز والأرامل والمطلقات ومن لا عائل لهن، في صورة مبكرة من صور الرعاية الاجتماعية في الحضارة الإسلامية. وتؤكد المصادر التاريخية أن هذا الرباط كان من أشهر المنشآت المرتبطة بزيارة السيدة نفيسة، حتى أصبح محطة يقصدها الزائرون والرحالة بعد أداء الزيارة.
وقد التبس أمر بقايا الرباط على عدد من المؤرخين، فاعتقد بعضهم أنها مجرد أطلال لتكية أو سور يحيط بقبة الخلفاء العباسيين، إلا أن نصوص السخاوي وشمس الدين بن الزيات حسمت الأمر، إذ أشارت بوضوح إلى وجود «رباط أم العادل» ملاصقًا لمشهد السيدة نفيسة، كما ورد ذكره في كتب الزيارات والتراجم التاريخية.
وتنسب عمارة الرباط إلى الست خاتون، زوجة الملك الأفضل نجم الدين أيوب ووالدة السلطان الملك العادل، شقيق السلطان صلاح الدين الأيوبي. وتشير المصادر إلى أن الست خاتون توفيت سنة 593هـ/1197م، وهو ما يرجح أن إنشاء الرباط تم قبل هذا التاريخ، ليصبح من أقدم الآثار الأيوبية الباقية في المنطقة.
وتكشف البقايا المعمارية المتبقية عن قيمة فنية كبيرة؛ إذ ما زال جزء من الحد الجنوبي للرباط قائمًا، ويضم محرابًا مجوفًا يعلوه عقد منكسر يعد من السمات المميزة لعمارة الأربطة الأيوبية. كما تعلو الجدار شرافات حجرية ذات طابع فاطمي، تشبه مثيلاتها في رباط الجيوش ومشهد السيدة رقية، وهو ما يعكس استمرار التأثيرات الفنية الفاطمية في بدايات العصر الأيوبي.
وقد حظي الرباط باهتمام الرحالة الذين زاروا مصر عبر العصور. فالرحالة التركي أوليا جلبي وصفه في القرن الحادي عشر الهجري بأنه تكية عظيمة تضم مئات الفقراء وتقدم الطعام لزائري السيدة نفيسة. كما سجل الرحالة عبد الغني النابلسي زيارته للمكان، وذكر أنه صلى داخله وشاهد نوافذه المطلة على قبور الخلفاء العباسيين، مما يدل على استمرار دوره الديني والاجتماعي لقرون طويلة.
ومن الشواهد المهمة على قيمة هذا الأثر ما ورد في سجلات لجنة حفظ الآثار العربية سنة 1893م، حين قررت اللجنة ترميم الباب والطرقة المؤديين إلى قبة الخلفاء العباسيين على نفقتها الخاصة، لما تتمتع به هذه المنشآت من أهمية تاريخية ومعمارية. وقد بلغت تكلفة الترميم آنذاك 29 جنيهًا و95 مليمًا، وهو مبلغ كبير بمقاييس ذلك العصر، مما يعكس إدراك اللجنة لقيمة الموقع وأصالته.
وفي السنوات الأخيرة، ومع أعمال التطوير العمراني التي شهدتها المنطقة، جرى تنفيذ مشروع للحفاظ على المدخل التاريخي والساحة المؤدية إلى قبة الخلفاء العباسيين، شمل تدعيم الجدران والمحاريب الأيوبية، واستبدال الطوب المتآكل، وإجراء حفائر أثرية للوصول إلى منسوب الأرضية الأصلي، فضلًا عن تهيئة المنطقة المحيطة بصريًا وعمرانيًا. كما أُنشئت مجموعة من المدافن الجديدة خلف مسجد السيدة نفيسة، من بينها قبة خُصصت لمدفن السيدة جوهرة، خادمة السيدة نفيسة.
ويبقى رباط أم العادل شاهدًا نادرًا على مرحلة مهمة من تاريخ القاهرة الإسلامية، وعلى الدور الحضاري الذي لعبته المؤسسات الخيرية في العصر الأيوبي. ورغم ما فقده من عناصره الأصلية، فإن ما تبقى منه لا يزال يحمل قيمة تاريخية ومعمارية كبيرة، تستحق مزيدًا من الدراسة والتوثيق والحفاظ، بوصفه أحد المعالم المنسية في جبانة القاهرة التاريخية، وأحد الشواهد الباقية على ازدهار العمارة الأيوبية في رحاب السيدة نفيسة


