ومضات رمضانيه .. ٢٥رمضان:اليوم الذي انقلب فيه ميزان التاريخ من عين جالوت إلى أسوار بلغراد
بقلم - أميره عبدالعظيم
في مسيرة التاريخ الطويلة تمر الأيام متشابهة كحبات الرمل في صحراء الزمن، لكن بعض الأيام تقف فجأة كمنارات مضيئة، تفرض حضورها على الذاكرة الإنسانية، وكأنها خُلقت لتكون نقطة تحول بين زمنين.
ومن بين تلك الأيام يبرز الخامس والعشرون من رمضان، يوماً بدا فيه التاريخ كأنه يكتب نفسه بمدادٍ مختلف؛ يومٌ التقت فيه السيوف بالعقيدة، والفكرة بالقوة، والإرادة بالمصير.
في هذا اليوم، كانت الأرض تشهد لحظات فاصلة:
في عين جالوت كانت الحضارة الإنسانية تقف على حافة الهاوية أمام زحف المغول الذي اجتاح المدن وأسقط العروش.
وفي بلغراد كانت مدافع العثمانيين تدق أبواب أوروبا معلنة بداية مرحلة جديدة من التحولات الكبرى.
وفي قلب الجزيرة العربية كانت آخر الأصنام تسقط، إيذاناً بانتصار فكرة التوحيد التي أعادت صياغة الإنسان والتاريخ معاً.
هكذا بدا الخامس والعشرون من رمضان وكأنه يوم تُختصر فيه القرون، وتتقاطع فيه مصائر الأمم؛ يومٌ يذكّرنا بأن التاريخ لا يتغير دائماً ببطء، بل أحياناً يقفز قفزة هائلة في لحظة واحدة، حين تلتقي الإرادة بالإيمان، ويصبح المستحيل مجرد صفحة جديدة في كتاب الزمن.
في منتصف القرن السابع الهجري كان العالم الإسلامي يعيش واحدة من أحلك لحظاته.
فقد سقطت بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، تحت ضربات المغول، وتحولت حواضر العلم إلى رماد، بينما واصل التتار زحفهم الكاسح نحو الشام ومصر.
في تلك اللحظة التاريخية ظهر السلطان سيف الدين قطز مدركاً أن المعركة القادمة ليست معركة حدود، بل معركة وجود.
وصلته رسالة تهديد من القائد المغولي هولاكو، تحمل لغة الغلبة والوعيد، وتطالبه بالاستسلام.
جمع قطز أمراءه للتشاور، لكن التردد كان واضحاً على وجوه الكثيرين.
عندها وقف السلطان الشاب وقال كلمته التي ستبقى خالدة في ذاكرة التاريخ:
"يا أمراء المسلمين، لكم زمان تأكلون أموال بيت المال وأنتم للغزو كارهون… أما أنا فمتوجه لقتالهم بنفسي، فمن اختار الجهاد فليصحبني."
كانت تلك اللحظة بداية التحول.
اختار قطز أن ينقل المعركة خارج مصر، نحو فلسطين، حيث سهل صغير سيصبح اسمه لاحقاً رمزاً للخلاص: عين جالوت.
وفي صباح 25 رمضان سنة 658 هـ، التقى الجيشان.
بدأت المعركة كأنها تميل للمغول حين باغتوا مقدمة الجيش الإسلامي وألحقوا بها خسائر سريعة.
لكن اللحظة الفاصلة جاءت حين خلع قطز خوذته واندفع إلى قلب المعركة وهو يصرخ:
"واإسلاماه!"
انتقلت الصرخة كشرارة بين الجنود، فتعالت التكبيرات، واشتعلت الحماسة في النفوس.
لم تمضِ ساعات حتى سقط القائد المغولي كتبغا قتيلاً، وبدأ جيش التتار في الانهيار والفرار.
ذلك اليوم لم يكن مجرد انتصار عسكري؛ بل كان لحظة أنقذت الحضارة الإنسانية من طوفان المغول، ورسّخت حكم المماليك كحماة للعالم الإسلامي لقرون طويلة.
بعد قرون من تلك المعركة، شهد اليوم نفسه من رمضان حدثاً لا يقل أهمية.
كانت بلغراد تُعرف في أوروبا باسم "قلعة النصرانية"، حصناً هائلاً يقف سداً منيعاً أمام توسع الدولة العثمانية في البلقان.
حاول السلطان محمد الفاتح فتحها دون أن ينجح، لكن الحلم ظل حياً.
وفي 25 رمضان سنة 927 هـ، جاء السلطان سليمان القانوني بجيش ضخم وأسلحة حصار متطورة، فحاصر المدينة حتى انهارت أسوارها أخيراً.
بسقوط بلغراد، انفتح الطريق أمام العثمانيين نحو المجر والنمسا، وتحولت المدينة إلى مركز تجاري وثقافي مهم في البلقان.
كان ذلك الفتح إعلاناً بأن التاريخ لا يتوقف عند حدود الجغرافيا، وأن حركة الحضارات لا تعرف السكون.
وفي مثل هذا اليوم أيضاً، وبعد فتح مكة، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عدداً من الصحابة لإزالة آخر رموز الوثنية المنظمة في الجزيرة العربية.
فذهب خالد بن الوليد لهدم صنم العُزّى،
وتوجه عمرو بن العاص لهدم سُواع،
بينما خرج سعد بن زيد الأشهلي لهدم صنم مناة.
كانت تلك الخطوة إعلاناً بأن التوحيد لم يعد مجرد عقيدة روحية، بل مشروع حضارة يوحد العرب تحت راية واحدة.
وفي الخامس والعشرين من رمضان وُلد أيضاً الإمام فخر الدين الرازي، أحد أعظم مفكري الإسلام.
في موسوعته الشهيرة "مفاتيح الغيب" لم يكتفِ بالتفسير، بل مزج بين الفلسفة والعلوم والطب والفلك، ليقدم نموذجاً فريداً للعقل الإسلامي الموسوعي.
كما شهد هذا اليوم ميلاد الزعيم المصري محمد فريد، أحد أبرز قادة الحركة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني.
أنفق ثروته كاملة في سبيل استقلال وطنه، وأسّس مدارس ليلية لتعليم العمال، قبل أن يموت منفياً في ألمانيا فقيراً… لكنه بقي في ذاكرة الوطن رمزاً للنضال الصادق.
وفي تركيا توفي في مثل هذا اليوم المفكر بديع الزمان سعيد النورسي، صاحب رسائل النور التي حاولت إعادة بناء الإيمان في مواجهة التيارات المادية الحديثة.
ورغم أن قبره نُقل إلى مكان مجهول بعد وفاته، فإن أفكاره بقيت حيّة في عقول أتباعه وقراء تراثه.
هكذا يبدو لنا أن الخامس والعشرون من رمضان صفحة مكثفة من التاريخ؛
فيه صرخة قطز التي أوقفت زحف المغول،
وفيه أسوار بلغراد التي فتحت الطريق إلى قلب أوروبا،
وفيه أصنام سقطت، وعقول وُلدت، وزعماء كتبوا أسماءهم في ذاكرة الزمن.
إنه يوم يذكّرنا بأن التاريخ لا تصنعه السيوف وحدها، بل تصنعه أيضاً الفكرة، والإيمان، وإرادة الإنسان حين يرفض الاستسلام.


