أنباء اليوم
الجمعة 23 يناير 2026 12:15 صـ 3 شعبان 1447 هـ
 أنباء اليوم
رئيس التحريرعلى الحوفي
روته: الناتو يسعى لتعزيز الحماية لكل من القطب الشمالي وجرينلاند فى الفترة المقبلة تعرف على حالة الطقس غداً الجمعة ملك الوشم محافظ الجيزة يفتتح معرض الحرف اليدوية والتراثية الـ51 بنادي الصيد بحي الدقي مفتي الجمهورية: الفتوى الرشيدة منهج علمي يوازن بين النص والواقع ويخاطب الشباب بلغتهم رسائل مهمة وجهها الرئيس السيسي خلال لقائه مع رؤساء كبرى مؤسسات الاقتصاد والأعمال بالعالم في دافوس الداخلية: ضبط بعض الأشخاص يحملون أسلحة بيضاء لقيامهم بمطاردة آخر بمنطقة المقطم بالقاهرة وزير الإسكان يشارك في اجتماع لجنة حقوق الإنسان والتضامن الاجتماعي بمجلس الشيوخ الداخلية: ضبط صانعة محتوى لقيامها بالرقص بصورة خادشة للحياء والتلفظ بألفاظ خارجة محافظ المنوفية يتفقد أعمال وضع الطبقة السطحية الأسمنتية بكوبري مبارك بشبين الكوم وزير الإسكان يعقد اجتماعاً لمتابعة الموقف التنفيذي لمشروع حدائق تلال الفسطاط مفتي الجمهورية ووزيرة التضامن الاجتماعي يوقعان مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون المشترك

بين السبيل والباب والمقام حكاية مدفن آل مغربية في أقدم شوارع مصر الإسلامية

صورة توضيحية
صورة توضيحية

في قلب القاهرة التاريخية، وعلى امتداد شارع سكة المراغة، أحد أقدم الشوارع في تاريخ مصر الإسلامية، يقف مدفن آل مغربية شاهدًا صامتًا على أكثر من خمسة قرون من التحولات العمرانية والروحية التي عرفتها المدينة. هذا المدفن، الذي يزيد عمره على 500 عام، ليس مجرد بناء جنائزي، بل وثيقة حجرية مفتوحة تروي حكاية طريق، وباب، وسبيل، ومقام، في منطقة كانت ذات يوم بوابة القاهرة إلى الصحراء وخارج الأسوار.

يحمل مدفن آل مغربية على واجهته رخامة تؤرخ لآخر عملية تجديد له، والتي تمت سنة 1209 هجرية، في دلالة واضحة على استمرارية العناية به عبر العصور. الرخامة، بما تحمله من نقش وتاريخ، تؤكد أن المكان لم يكن معزولًا عن حركة العمران أو ذاكرة السكان، بل ظل حاضرًا في وجدان المنطقة بوصفه معلمًا عائليًا وروحيًا في آن واحد.

ويجاور المدفن على الطريق سبيل (جشمة) ذات بزبوزين، أنشئت لروي عطش المارين في هذا الطريق الحيوي. ورغم اندثار الصنابير مع مرور الزمن، لا تزال آثار التجويفين واضحة في واجهة السبيل، لتكشف عن وظيفة إنسانية نبيلة ارتبطت بثقافة السبيل في القاهرة الإسلامية، حيث كان توفير الماء صدقة جارية وعلامة على ازدهار العمران وازدياد حركة العابرين.

ويقع المدفن في موضع بالغ الدلالة، إذ يتوسط المسافة بين باب الصحراء آخر أبواب العصر الإخشيدي وهو النموذج الوحيد الباقي لنا من هذا الطراز من الأبواب. ومن اسمه جاءت دلالته، إذ كان يفضي إلى الصحراء وإلى خارج المدينة. عبر هذا الباب كانت تمر المواكب، و يهتدي به الحائر بوصفه علامة طريق و معلمًا إرشاديًا، كما كان يُغلق في أوقات الفتن والاضطرابات لحماية المدينة. وتشير البقايا المعمارية إلى أن الباب كان ذا ضلفة خشبية واحدة، ولا يزال أثر تجويف ضبة الباب قائمًا، كأحد الشواهد النادرة على عمارة الأسوار في تلك الحقبة المبكرة.

وعلى الجانب الآخر من المدفن، يتجلى البعد الروحي للمكان في مقام السيدة جوهرة، خادمة السيدة نفيسة و كاتمة أسرارها. مقامٌ يعود عمره إلى أكثر من ألف ومائتي عام، وربما يزيد، ما يجعله من أقدم المقامات المرتبطة بأهل البيت وأولياء الله في القاهرة. وقد ورد ذكر السيدة جوهرة في كتاب «جامع كرامات الأولياء» ليوسف النبهاني، بما يعكس حضورها في الذاكرة الصوفية والتراث الديني، لا بوصفها شخصية تاريخية فحسب، بل رمزًا للخدمة والوفاء والتجرد.

تكشف هذه الرقعة الصغيرة من القاهرة عن تداخل فريد بين الوظيفة الجنائزية، والدور الخيري، والدلالة الدفاعية، والبعد الروحي. فالمدفن، والسبيل، وباب الصحراء، ومقام السيدة جوهرة، ليست عناصر متجاورة بالصدفة، بل مكونات نسيج عمراني متكامل، يعكس كيف كانت المدينة الإسلامية تُبنى على توازن بين الجسد والروح، وبين الطريق والمقام، وبين الحياة والموت.

يظل مدفن آل مغربية وما يحيط به شاهدًا على ضرورة إعادة قراءة هذه الأماكن لا باعتبارها أطلالًا صامتة، بل بوصفها ذاكرة حية تستحق الحماية والتوثيق. فهنا، في سكة المراغة، لا يزال الحجر ينطق بتاريخ مدينة، ويذكّر بأن القاهرة لم تكن مجرد عاصمة سياسية، بل مدينة طريق وسبيل وولاية، تتجاور فيها الحكايات كما تتجاور الأبنية.