أنباء اليوم
السبت 21 فبراير 2026 01:08 صـ 3 رمضان 1447 هـ
 أنباء اليوم
رئيس التحريرعلى الحوفي
إبراهيم بك الهلباوي من البحيرة إلى الإمام الشافعي بين رموز الوطن في رحاب رمضان ضريح وقبة الإمام الشافعي بين نور العبادة وعبق التاريخ رئيس الوزراء يعود إلى القاهرة بعد مشاركته في الاجتماع الأول لـ ”مجلس السلام” بواشنطن القوات الجوية تنظم ندوة تثقيفية دينية بحضور وزير الأوقاف محمد بن أبي بكر الصديق تجربة حكم قصيرة لمصر في ظل الفتنة الكبرى محافظة الجيزة ترفع 1060 طن مخلفات من انفاق العشاروة بالعمرانية والريس ببولاق الدكرور فانوس رمضان في مصر ضوء يتوارثه الأجيال و يضيء الشوارع و القلوب وزارة العمل تُوفّر فرص عمل لائقة لـ75 شابًا من ذوي الهمم بالقاهرة الإسكان تعد تقريراً بالفيديوجراف عن أنشطتها خلال الفترة من 14 إلى 19/2/2026 محافظ المنوفية يفاجئ مستشفي بركة السبع المركزي ويحيل ١٧ من العاملين المتغيبين بدون اذن للتحقيق محافظ المنوفية يؤدى شعائرصلاة الجمعة بمسجد أبو علي بمركز ومدينة تلا وزيرة التنمية المحلية والبيئة تعقد اجتماعاً موسعاً مع قيادات الوزارة ورئيسي جهازي شئون البيئة وإدارة المخلفات

بين السبيل والباب والمقام حكاية مدفن آل مغربية في أقدم شوارع مصر الإسلامية

صورة توضيحية
صورة توضيحية

في قلب القاهرة التاريخية، وعلى امتداد شارع سكة المراغة، أحد أقدم الشوارع في تاريخ مصر الإسلامية، يقف مدفن آل مغربية شاهدًا صامتًا على أكثر من خمسة قرون من التحولات العمرانية والروحية التي عرفتها المدينة. هذا المدفن، الذي يزيد عمره على 500 عام، ليس مجرد بناء جنائزي، بل وثيقة حجرية مفتوحة تروي حكاية طريق، وباب، وسبيل، ومقام، في منطقة كانت ذات يوم بوابة القاهرة إلى الصحراء وخارج الأسوار.

يحمل مدفن آل مغربية على واجهته رخامة تؤرخ لآخر عملية تجديد له، والتي تمت سنة 1209 هجرية، في دلالة واضحة على استمرارية العناية به عبر العصور. الرخامة، بما تحمله من نقش وتاريخ، تؤكد أن المكان لم يكن معزولًا عن حركة العمران أو ذاكرة السكان، بل ظل حاضرًا في وجدان المنطقة بوصفه معلمًا عائليًا وروحيًا في آن واحد.

ويجاور المدفن على الطريق سبيل (جشمة) ذات بزبوزين، أنشئت لروي عطش المارين في هذا الطريق الحيوي. ورغم اندثار الصنابير مع مرور الزمن، لا تزال آثار التجويفين واضحة في واجهة السبيل، لتكشف عن وظيفة إنسانية نبيلة ارتبطت بثقافة السبيل في القاهرة الإسلامية، حيث كان توفير الماء صدقة جارية وعلامة على ازدهار العمران وازدياد حركة العابرين.

ويقع المدفن في موضع بالغ الدلالة، إذ يتوسط المسافة بين باب الصحراء آخر أبواب العصر الإخشيدي وهو النموذج الوحيد الباقي لنا من هذا الطراز من الأبواب. ومن اسمه جاءت دلالته، إذ كان يفضي إلى الصحراء وإلى خارج المدينة. عبر هذا الباب كانت تمر المواكب، و يهتدي به الحائر بوصفه علامة طريق و معلمًا إرشاديًا، كما كان يُغلق في أوقات الفتن والاضطرابات لحماية المدينة. وتشير البقايا المعمارية إلى أن الباب كان ذا ضلفة خشبية واحدة، ولا يزال أثر تجويف ضبة الباب قائمًا، كأحد الشواهد النادرة على عمارة الأسوار في تلك الحقبة المبكرة.

وعلى الجانب الآخر من المدفن، يتجلى البعد الروحي للمكان في مقام السيدة جوهرة، خادمة السيدة نفيسة و كاتمة أسرارها. مقامٌ يعود عمره إلى أكثر من ألف ومائتي عام، وربما يزيد، ما يجعله من أقدم المقامات المرتبطة بأهل البيت وأولياء الله في القاهرة. وقد ورد ذكر السيدة جوهرة في كتاب «جامع كرامات الأولياء» ليوسف النبهاني، بما يعكس حضورها في الذاكرة الصوفية والتراث الديني، لا بوصفها شخصية تاريخية فحسب، بل رمزًا للخدمة والوفاء والتجرد.

تكشف هذه الرقعة الصغيرة من القاهرة عن تداخل فريد بين الوظيفة الجنائزية، والدور الخيري، والدلالة الدفاعية، والبعد الروحي. فالمدفن، والسبيل، وباب الصحراء، ومقام السيدة جوهرة، ليست عناصر متجاورة بالصدفة، بل مكونات نسيج عمراني متكامل، يعكس كيف كانت المدينة الإسلامية تُبنى على توازن بين الجسد والروح، وبين الطريق والمقام، وبين الحياة والموت.

يظل مدفن آل مغربية وما يحيط به شاهدًا على ضرورة إعادة قراءة هذه الأماكن لا باعتبارها أطلالًا صامتة، بل بوصفها ذاكرة حية تستحق الحماية والتوثيق. فهنا، في سكة المراغة، لا يزال الحجر ينطق بتاريخ مدينة، ويذكّر بأن القاهرة لم تكن مجرد عاصمة سياسية، بل مدينة طريق وسبيل وولاية، تتجاور فيها الحكايات كما تتجاور الأبنية.