google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 06:01 صـ 23 ربيع آخر 1448 هـ
 أنباء اليوم
رئيس التحريرعلى الحوفي
احزاب سياسيه تؤكد أن كلمه الرئيس السيسي بمناسبه الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات اكتوبر حملت رسائل وطنية وسياسية متعددة محافظ كفرالشيخ يتفقد موقع انهيار عقار بيلا ويتابع أعمال رفع الأنقاض وتأمين المنطقة.. ويوجه بفحص أسباب الحادث ودعم الأسر المتضررة برنامج ” صباحنا مصري” يقدم تجربة إعلامية جديدة بعد التطوير الأهلي ينفي غضب عموتة من لاعبي الفريق محافظ الإسكندرية يتابع استمرار أعمال إزالة عقار شارع المازني وفقًا للتوصيات الهندسية التي اعتمدت الأسلوب العلمي الحذر لتحقق أعلى معدلات الأمان نقيب الإعلاميين مهنئًا الرئيس السيسي بذكرى أكتوبر: جسدت صلابة العسكرية المصرية في الدفاع عن الوطن مجلس النواب يوافق مبدئيا على اعتراض رئيس الجمهورية بشأن المادة 25 من قانون ”جامعة كيان” رئيس جمهورية جنوب أفريقيا يزور المتحف المصري الكبير ومنطقة أهرامات الجيزة بمرافقة وزير السياحة والآثار وزير التعليم العالي يثمّن عطاء أعضاء هيئة التدريس والهيئات المعاونة في اليوم العالمي للمعلم بمشاركة اكثر من 150 شريكاً.. القاهرة تحتضن حدث لوجيتك الأكبر” RISE 2026 ” في الشرق الأوسط وأفريقيا وتطلق أحدث منتجاتها مجموعة ”حسن علام القابضة” توقع اتفاقية تعاون مع جامعة IE لتطوير الكفاءات المهنية وتعزيز جاهزيتها للمستقبل وزير التربية والتعليم يوقع بروتوكول تعاون مع شركة «RATP Dev» والوكالة الفرنسية للتنمية لإنشاء مدرسة للتكنولوجيا التطبيقية لإعداد كوادر فنية لقطاع النقل

جبران ونيتشه: تشابه الرؤى واختلاف الفلسفة قراءة نقدية في كتاب ”جبران النبي ونيتشه الرؤيوي” للباحثة سعاد الخراط

صورة توضيحية
صورة توضيحية

يُعتبر الأدب المقارن من أهم المناهج النقدية التي ساعدت في تعميق فهم النصوص الإبداعية،حيث لا يقتصر دوره على رصد أوجه التأثر والتأثير بين الأدباء، وإنما يتجاوز ذلك إلى الكشف عن خصوصية كل تجربة فكرية وإبداعية في سياقها التاريخي والثقافي.
ومن هذا المنطلق، ظل اسم الأديب اللبناني جبران خليل جبران حاضرًا في العديد من الدراسات التي حاولت تتبع منابع رؤيته الفكرية، ولا سيما المقارنات التي عقدها بعض الباحثين بينه وبين الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه.

جدير بالذكر أن هذه المقارنات قد إنطلقت من التشابه الظاهري بين كتاب "النبي" وكتاب " هكذا تكلم زرادشت"، حتى أن بعض الدارسين قدخلصوا إلى اعتبار جبران متأثرًا بنيتشه إلى حد كبير، أو
ربما يكون مجرد امتداد لرؤيته الفلسفية.
غير أن الباحثة سعاد الخراط، في كتابها "جبران النبي ونيتشه الرؤيوي"، تقدم معالجة نقدية مختلفة، تقوم على إعادة قراءة العلاقة بين الكاتبين بمنهج علمي متوازن، يميز بين التشابه الفني والاستقلال الفكري.

فقد قسمت الباحثة كتابها إلى ثلاثة أجزاء مترابطة، جاء أولها مخصصًا لقراءة عالم جبران، ولا سيما كتاب "النبي"، الذي يُعد من أكثر النصوص الأدبية انتشارًا وتأثيرًا في الأدب العالمي.

وتتوقف الباحثة أمام القضايا الكبرى التي يعالجها جبران، مثل الحرية، والمحبة، والزواج، والأطفال، والعمل، والعدالة، والخير والشر، والجمال، والعطاء، والعلاقة بين العقل والقلب، لتؤكد أن مشروعه الفكري يقوم على بناء إنسان متوازن، يرى في الحب جوهر الوجود، وفي الحرية شرطًا لكرامة الإنسان.

أيضاً تناولت الدراسة الجانب الروحي في تجربة جبران، فتربط بين التحولات الفكرية التي عاشها وبين المآسي الشخصية التي مر بها، بعد وفاة أخته وأخيه ووالدته، وهي أحداث تركت أثرًا عميقًا في نظرته إلى الموت والخلود، ودفعته إلى التأمل في قضايا الوجود، ووحدة الكائنات، والتقمص، والبحث عن المعنى.

أما الجزء الثاني، فيأخذ القارئ إلى عالم نيتشه، متتبعًا مسيرته الفكرية منذ بداياته الشعرية، مرورًا بمؤلفاته الفلسفية الكبرى، وصولًا إلى انهياره النفسي في سنواته الأخيرة.

وتبرز الدراسة أثر المعاناة الشخصية والمرض والعزلة في تكوين فلسفة نيتشه، التي قامت على نقد القيم السائدة، والدعوة إلى تحرير الإنسان من القيود التقليدية، والإيمان بإرادة القوة، وصناعة الإنسان المتفوق القادر على خلق قيمه الخاصة بعيدًا عن الموروثات الدينية والاجتماعية.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوه :
أين يلتقي جبران ونيتشه؟

تكشف الدراسة عن مجموعة من القواسم المشتركة التي تجمع بين الكاتبين، دون أن تجعل أحدهما تابعًا للآخر.

فقد نشأ كلاهما في بيئة دينية محافظة، الأمر الذي انعكس على لغتهما المشبعة بالإيقاع الديني والصور المستمدة من النصوص المقدسة.

كما أن كليهما اعتمد شخصية رمزية تحمل رسالة إلى البشر، فجبران اختار "المصطفى"، بينما اختار نيتشه "زرادشت"، وجعل كل منهما بطله يتحدث بلسان الحكيم الذي يسعى إلى إيقاظ الوعي الإنساني.

ويتفق الكاتبان كذلك في الدعوة إلى تحرير الإنسان من الخوف والخضوع والتقاليد الجامدة، والدفاع عن حرية الفكر، وانتقاد الزيف الاجتماعي، والدعوة إلى اكتشاف الذات، وهو ما جعل كثيرًا من الدارسين يلاحظون تقاربًا واضحًا بين العملين.

غير أن الدراسة تؤكد أن التشابه لا ينبغي أن يحجب الفوارق الجوهرية بين التجربتين.

فنيتشه انطلق من فلسفة تقوم على إعلان القطيعة مع المرجعيات الدينية التقليدية، وسعى إلى إعادة بناء منظومة القيم على أساس إرادة القوة، ورأى أن الإنسان ينبغي أن يتجاوز ضعفه ليخلق قيمه بنفسه.

أما جبران، فرغم نقده للمؤسسات الدينية الجامدة والعادات الاجتماعية التي تُفرغ الدين من روحه، فإنه ظل مؤمنًا بالله، وجعل المحبة أساس العلاقة بين الإنسان وخالقه، ورأى أن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وأن القوة الحقيقية تكمن في الرحمة والتسامح والسمو الروحي.

ومن هنا يتضح أن جبران لم يكن فيلسوف هدم، بل كان صاحب مشروع إنساني يسعى إلى إصلاح الإنسان من الداخل، بينما كان نيتشه يبحث عن إعادة تشكيل الإنسان عبر ثورة جذرية على القيم السائدة.

خلاصة القول فإن
الباحثة سعاد الخراط يحسب لها موضوعيتها في تناول هذه القضية،فهى لم تنجرف وراء الرأي الشائع الذي يختزل جبران في كونه متأثرًا بنيتشه، بل سعت إلى التمييز بين التأثر الثقافي المشروع والاستقلال الفكري.

كما نجحت في توظيف منهج الأدب المقارن بوصفه وسيلة لفهم النصوص، لا لإصدار أحكام نهائية، فكانت قراءتها أقرب إلى الحوار بين عالمين فكريين مختلفين منها إلى البحث عن علاقة تبعية بينهما.

ومع ذلك، فإن الدراسة كانت ستزداد ثراءً لو أولت اهتمامًا أكبر بالتحليل الأسلوبي والبلاغي، فالنصان لا يلتقيان في الأفكار وحدها، بل في البناء الفني واللغة الشعرية والرمزية، وهي جوانب تستحق معالجة أكثر تفصيلًا.

ومع ذلك، تبقى الدراسة واحدة من أهم المحاولات العربية التي تناولت هذه العلاقة الشائكة بروح علمية بعيدة عن الانطباعية، وأسهمت في إعادة الاعتبار لخصوصية تجربة جبران الفكرية والأدبية.

وقد رفعت هذه الدراسة الغطاء وأظهرت أن الأدب العظيم لا يولد في عزلة، بل ينمو عبر حوار دائم بين الثقافات والأفكار، غير أن هذا الحوار لا يلغي فرادة المبدع ولا يذيب هويته. لقد التقى جبران ونيتشه عند أسئلة الإنسان الكبرى: الحرية، والوجود، والبحث عن الحقيقة، لكن كلاً منهما سلك طريقًا مختلفًا نحو الإجابة.

لقد آمن نيتشه بأن الإنسان يصنع خلاصه بقوة إرادته، بينما رأى جبران أن الخلاص يبدأ من المحبة والإيمان والارتقاء بالروح. وبين الفلسفتين تتجلى مسافة واسعة تؤكد أن جبران لم يكن ظلًا لنيتشه، بل كان صوتًا إنسانيًا مستقلاً، استطاع أن يستلهم الفكر العالمي، ثم يعيد تشكيله وفق رؤيته الخاصة، حتى أصبح أحد أكثر أدباء الشرق حضورًا في الأدب الإنساني.

وهكذا تؤكد دراسة سعاد الخراط أن الأدب المقارن، حين يُمارس بمنهجية علمية، لا يبحث عن المنتصر والخاسر، ولا عن الأصل والفرع، بل يكشف ثراء التجارب الإنسانية، ويمنح كل مبدع مكانته التي يستحقها في تاريخ الفكر والأدب

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0