google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
الأربعاء 30 سبتمبر 2026 08:51 مـ 17 ربيع آخر 1448 هـ
 أنباء اليوم
رئيس التحريرعلى الحوفي
ماذا حدث في طائرة «فلاي دبي» المتجهة إلى إسرائيل ؟ التفاصيل والحقيقة رسمياً وقف تطبيق قرار العمل عن بعد الأحد من كل أسبوع .. الحكومة تصدر 9 قرارات جديدة باجتماعها الأسبوعي| تفاصيل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء: لا صحة لـ تحمل مصر تكلفة إصلاح سفينة التغييز ”إنرجوس وينتر” بعد تعرضها لحادث بميناء دمياط لجنة الدراما بـ ”الأعلى للإعلام” تستعرض أبرز قضايا الأعمال الفنية لـ ”الشركة المتحدة” قيد الإنتاج بعثة منتخب مصر تصل مطار القاهرة.. وانتظام اللاعبين في التدريبات غدا استعدادا لودية جنوب أفريقيا تشكيل منتخبنا الوطني مواليد 2007 في مواجهة تونس بتصفيات شمال أفريقيا المؤهلة لكأس الأمم للشباب وزير الخارجية يلتقي المستشار الاقتصادي للرئيس الإريتري الشوربجي: الصحافة القومية أحد أهم أدوات القوى الناعمة المصرية الأخصائي النفسي خالد رغدان يكشف كيف يحمي التدخل المبكر المستقبل الأسري اتفاقية بين مجموعة «كي ميڤنز» و«لولو للتجزئة» لتشغيل هايبرماركت في «لو مريم- ليوان» علاء سعفان: مشاركتنا في ITEX IRAQ 2026 تمثل منصة مهمة لتعزيز التعاون وتوسيع حضور RAKICT في السوق العراقي سلطنة عُمان تشارك في اجتماع خليجي حول مكافحة الفساد

حين بكت عين هيلانة

صورة توضيحية
صورة توضيحية


لم تكن "عين هيلانة" مجرد نبع ماء يتدفق بين الصخور، بل كانت قلب سعير النابض.

قبل عشرات السنين، وقبل أن تعرف البلدة الإسفلت والخرسانة، كان الناس يقولون: "إذا أردت أن تعرف أخبار سعير، فاذهب إلى العين."

هناك كانت النساء يملأن الجرار، ويتبادلن الحكايات. وهناك كان الفلاحون يغسلون عن أيديهم غبار الحقول قبل أن يجلسوا على الحجارة العتيقة يحتسون الشاي. وكان الأطفال يركضون حفاة حول الماء، بينما يراقب الشيوخ المشهد في هدوء، كأنهم يحرسون ذاكرة المكان.

لم تكن العين مجرد مصدر للماء؛ كانت محكمةً بلا جدران، ومضافةً بلا أبواب، وملتقىً لا يفرّق بين غني وفقير، ولا بين حارة الوهيبات وحارة المشاعلة. فإذا اشتد خلاف بين رجلين، قال كبار البلدة:

"اذهبوا إلى العين... فهناك يبرد الغضب."

وكانت الكلمات تخجل أن ترتفع فوق خرير الماء.

مرت السنوات، ورحل جيل بعد جيل، لكن العين بقيت شاهدة على كل شيء؛ على مواسم الحصاد، وعلى زغاريد الأعراس، وعلى دموع الوداع حين كان الشباب يغادرون طلبًا للرزق أو دفاعًا عن الوطن.

ثم جاء يومٌ وقف فيه أهل البلدة أمام مشهد لم يألفوه.

ارتفعت كتل حجرية ضخمة أمام العين، تتوسطها جدارية جميلة في ظاهرها، تحمل نقوشًا للفلاحين والعنب والسنابل والماء.

قال بعضهم:
"ما أجملها!"

لكن أبو محمد، ظل الصمت يمتلكه لبضع سنين.

اقترب منه الشباب وسألوه:
"أما أعجبتك الجدارية ؟

نظر نحو الحجر، ثم نحو الماء الذي اختفى نصفه خلف الجدار، وقال بصوت متهدج:

"يا شباب" سعير" هل يحتاج الوجه إلى صورة إذا كان الوجه نفسه حاضرًا؟"

لم يفهموا.

أمسك ابومحمد بيده أحدهم، وأخذه إلى طرف العين.

قال:
"انظر... هنا كان يجلس والدك صغيرًا، وهناك كانت جدتك تغسل الصوف، وتحت تلك الشجرة أصلح رجال البلدة خصومة كادت تتحول إلى قطيعة. وهنا استقبلنا الضيوف، ومن هنا ودعنا الشهداء."

ثم تنهد قائلًا:

"لقد رسموا الماء على الحجر... لكنهم أخفوا الماء الحقيقي."

بدأ الناس يشعرون أن شيئًا تغير.

لم يعد القادم من الطريق يرى العين كما كانت.

لم تعد النسوة يجلسن طويلًا.

واختفت جلسات المساء التي كانت تمتد حتى يغيب آخر خيط من الضوء.

حتى الأطفال صاروا يمرون سريعًا، وكأن المكان فقد شيئًا لا يُرى.

وفي إحدى الليالي، رأى ابو محمد في منامه العين تتحدث إليه.

قالت له:

"أنا لا أغضب من الحجر... ولا من النقوش... ولا من الجمال.

لكن الجمال الحقيقي لا يحجب الحقيقة.

أنا وُجدت لأجمع الناس، لا لتقف بيني وبينهم الجدران.

احفظوا ذاكرتي كما ورثتموها، فالأماكن تموت عندما تتحول إلى صور."

استيقظ مع أذان الفجر.

وفي صباح اليوم التالي دعا أبناء البلدة إلى اجتماع عند العين.

لم يطالب بهدم الفن، ولم يعادِ الجدارية، بل سألهم إحياء مبادرة لنقل الحجر

فلكل عمل مكانه.

أما العين، فهي أثر حيّ، وليست لوحة معلقة.
وكان عنوانها
انقلوا الجدارية إلى مكان يليق بها؛ إلى ساحة الشهداء أو إلى متحف أو حديقة عامة، ودعوا الماء يعود ليرى الناس، وليعود الناس يرون الماء."

ساد الصمت.

ثم وقف شاب وقال:

"كنا نظن أننا نحمي التراث بالرسم... فاكتشفنا أن أفضل حماية للتراث هي ألا نحجبه."

وفي ذلك اليوم، أدرك أهل سعير أن الذاكرة ليست ما يُنحت على الصخور، بل ما يبقى حيًا في المكان.

وعادت عين هيلانة، في وجدان أبنائها، كما كانت دائمًا...

نافذةً مفتوحة على التاريخ، لا جدارًا يحجبه.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0