شارع صلاح سالم المباني . . تسلسل تحولات الدولة والعمران
بدأت التحولات الكبرى في هذا النطاق من القاهرة مع خمسينيات القرن العشرين، حين اتخذت الدولة قرار شقّ شارع صلاح سالم بوصفه مشروعًا استراتيجيًا لا يقتصر على تخفيف الضغط المروري عن قلب العاصمة، بل يربط مطار القاهرة وجاء المشروع بأمر من الرئيس جمال عبد الناصر، وتحت إشراف عبد اللطيف البغدادي وزير الحربية آنذاك، وامتد الطريق من مصر الجديدة ومدينة نصر مرورًا بالدراسة وصولًا إلى قلعة صلاح الدين.
في ذلك الوقت، كانت أطراف المقطم تمثّل الحدّ الشرقي للعمران القاهري، بينما انتشرت على جانبي المسار الجديد مساحات واسعة من المقابر التاريخية التي تراكمت عبر قرون خارج أسوار المدينة القديمة. ومع تنفيذ شارع صلاح سالم، جرت عمليات نقل لعدد من هذه المقابر في إطار تنفيذ المشروع.
مع تولي الرئيس أنور السادات الحكم، استمر التعامل مع هذا المحور ضمن سياسات التطوير المروري، وشهدت المنطقة إنشاء كوبري السيدة عائشة بهدف تخفيف الاختناقات وربط جنوب القاهرة بوسطها. وتزامن ذلك مع إزالة مسجد السيدة عائشة القديم، وبناء مسجد جديد ضمن مشروع التطوير، مستخدمًا أحجارًا نُقلت من مسجد أولاد عنان في رمسيس.
في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، اتجهت الدولة إلى تطوير المناطق الدينية الكبرى، وكان مسجد السيدة نفيسة في قلب هذه السياسة، حيث شهد توسعة شاملة رافقها إزالة مساحات واسعة من المقابر التاريخية المحيطة به. وفي السياق ذاته، شهد هذا العهد إزالة مقبرة المؤرخ تقي الدين المقريزي ومقبرة عبد الرحمن بن خلدون في باب النصر، ضمن أعمال إعادة تنظيم محيط الأسوار التاريخية.
وفي عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي قد دخلت المنطقة مرحلة جديدة من إعادة التخطيط العمراني الشامل. فقد جرى تنفيذ مشروع محور صلاح سالم الجديد وإنشاء محور الحضارات، بما استدعى إعادة النظر في البنية المرورية القائمة. وفي هذا السياق، تقرّر إزالة كوبري السيدة عائشة الذي أُنشئ في عهد الرئيس أنور السادات، ضمن خطة إعادة تنظيم الحركة المرورية وتطوير المنطقة المحيطة بالمقابر والمزارات التاريخية.
وقد مرّ المسار الجديد للمحاور عبر مناطق تضم مقابر تاريخية وتراثية بالغة الأهمية، من بينها مقبرة محمود سامي البارودي، ومقبرة يحيى باشا إبراهيم، ومقبرة الملكة فريدة. كما جرى نقل مباني أربع مقابر كاملة، هي مقبرة يوسف كمال، ومحمد راتب باشا، ومحمد فاضل باشا الدرمالي. ونُقلت كذلك تراكيب جنائزية ذات قيمة فنية وتاريخية إلى المتاحف، تخص عائلات وشخصيات بارزة مثل عائلة العظم السورية، وكلزار، وحسين باشا، وإسماعيل سليم باشا، وزهرة فاضل، وأمير الشعراء أحمد شوقي، وعائشة هانم صديقة، ومحمود باشا الفلكي.
وهكذا، ومنذ خمسينيات القرن العشرين وحتى اليوم، يتضح تسلسل زمني لتحولات متعاقبة أعادت تشكيل هذا النطاق من القاهرة، في شارع صلاح سالم إلى مناطق السيدة نفيسة والسيدة عائشة و الأمام الشافعي.


