أنباء اليوم
الثلاثاء 17 فبراير 2026 07:02 مـ 29 شعبان 1447 هـ
 أنباء اليوم
رئيس التحريرعلى الحوفي

احتفالات ليلة الرؤية في مصر عبر العصور

كانت الاحتفالات في مصر برؤية هلال رمضان تبدأ في يوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، وكانت احتفالاتٍ كبيرةً على مدى التاريخ الإسلامي، يحضرها وجهاء الناس وكبار رجال الدولة في العاصمة والمدن الكبرى.

الاحتفالات ليلة الرؤية في العصر الفاطمي

يذكر المؤرخ إبراهيم عناني - عضو اتحاد المؤرخين العرب - أنه في نحو سنة ١٥٥هـ خرج قاضٍ لرؤية هلال رمضان، وذُكر في ذلك القاضي أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة الذي وُلِّي قضاء مصر، ثم تتابع القضاة بعد ذلك على الخروج لاستطلاع الهلال. وقد كانت تُعَدُّ لهم دكَّةٌ على سفح جبل المقطم عُرفت بـ «دكّة القضاة»، يخرجون إليها لاستطلاع الأهلة.

فلما كان العصر الفاطمي، بنى قائدهم بدر الجمالي مسجدًا على سفح المقطم، واتُّخذت مئذنته مرصدًا لرؤية هلال رمضان. كما سنَّ الفاطميون ما يُعرف بـ "موكب رؤية الهلال" (أو موكب أول رمضان)، وهي عادةٌ استمرت في العصر المملوكي؛ حيث كان قاضي القضاة يخرج لرؤية الهلال، ومعه القضاة الأربعة كشهود، حاملين الشموعَ والفوانيس، ويشترك معهم المحتسب وكبار تجار القاهرة ورؤساء الطوائف والصناعات والحرف.

وفي هذا العصر نُقل مكان الرؤية إلى منارة مدرسة المنصور قلاوون (المدرسة المنصورية) بين القصرين. فإذا تحققت الرؤية أُضيئت الأنوار على الدكاكين والمآذن، وأُضيئت المساجد، ثم يخرج قاضي القضاة في موكبٍ تحفُّ به جموعُ الناس، حاملةً المشاعلَ والفوانيسَ والشموع، حتى يصل إلى داره، ثم تتفرق الطوائف إلى أحيائها مُعلِنةً الصيام.

الاحتفالات ليلةُ الرؤية في العصر العثماني

أما في العصر العثماني، فعاد موضع استطلاع الهلال مرةً أخرى إلى سفح المقطم؛ حيث كان يجتمع القضاة الأربعة وبعض الفقهاء والمحتسب في المدرسة المنصورية بين القصرين، ثم يركبون جميعًا، يتبعهم أربابُ الحِرف وبعضُ دراويش الصوفية إلى موضعٍ مرتفعٍ بجبل المقطم، حيث يترقبون الهلال. فإذا ثبتت رؤيته عادوا وبين أيديهم المشاعلُ والقناديل إلى المدرسة المنصورية، ويُعلن المحتسب ثبوت رؤية هلال رمضان، ويعود إلى بيته في موكبٍ حافلٍ يحيط به أربابُ الطرق والحِرف، وسط أنواع المشاعل، في ليلةٍ مشهودة.

واستمر الأمر كذلك حتى أمر الخديوي عباس حلمي الثاني بنقل مكان إثبات رؤية الهلال إلى المحكمة الشرعية بباب الخلق.

الاحتفالات ليلةُ الرؤية العصر الحاضر

ومع إنشاء دار الإفتاء المصرية في أواخر القرن التاسع عشر، أُسندت إليها مهمة استطلاع هلال رمضان والاحتفال به، وتقوم الدار بهذه المهمة كل عام بعد غروب شمس يوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، وذلك من خلال لجانها الشرعية والعلمية المنتشرة في عددٍ من المواقع والمراصد، مثل: الوادي الجديد، وتوشكى، وسوهاج، وقنا، والبحر الأحمر، ومدينة السادس من أكتوبر، ومرسى مطروح، ومرصد حلوان. ثم تُعلن الدار نتيجة الاستطلاع في احتفالٍ رسميٍّ كبير يحضره الإمام الأكبر، والمفتون السابقون، ووزير الأوقاف، ومحافظ القاهرة، والوزراء، وسفراء الدول الإسلامية، ورجال القضاء، وغيرهم من رجال الدولة، ويكونون جميعًا في ضيافة مفتي الديار المصرية.

وقد كان الاحتفال يتم في سرادق بجوار دار القضاء العالي عندما كان مقر دار الإفتاء فيها، ثم استقلت الدار بمبناها الحالي بالدراسة، وانتقل الاحتفال إلى قاعة المؤتمرات بالدور الأرضي بمبنى الدار، حتى ضاقت بالحضور، فانتقل إلى قاعة المؤتمرات الكبرى بالأزهر الشريف بمدينة نصر - القاهرة، ويُنقل الاحتفال عبر الإذاعات الرسمية المسموعة والمرئية، ويبدأ بتلاوة آياتٍ من القرآن الكريم، ثم يُعلن فضيلة المفتي ثبوت رؤية الهلال، فيكون اليوم التالي غُرَّة الشهر الكريم، أو عدم ثبوته، فيكون اليوم التالي المتمم لشهر شعبان.

تُجسِّد ليلةُ الرؤية في مصر تقليدًا حضاريًّا ممتدًّا عبر العصور؛ إذ بدأت بخروج القضاة إلى سفح جبل المقطم فيما عُرف بـ«دكّة القضاة»، ثم تطورت في العصر الفاطمي إلى موكب رسمي مهيب لرؤية الهلال، واستمرت مظاهر الاحتفاء في العصرين المملوكي والعثماني بمشاركة القضاة والعلماء وأرباب الحرف، حتى انتقل إثبات الرؤية في العصر الحديث إلى دار الإفتاء المصرية التي تتولى عبر لجانها الشرعية والعلمية استطلاع الهلال وإعلان النتيجة في احتفال رسمي يُنقل عبر وسائل الإعلام، ليبقى هذا الحدث شاهدًا على تلاحم الديني والوطني في وجدان المصريين واستقبالهم لشهر رمضان الكريم.