دبس العنب... حكاية فلسطينية بطعم الأرض
حين يبدأ موسم قطاف العنب في فلسطين، تتحول الكروم إلى خلية من الحركة والفرح. تمتد عناقيد العنب بين أيدي المزارعين، وتفوح في البيوت رائحة الموسم التي تحمل معها ذكريات الآباء والأجداد. وفي خضم هذه الأجواء، تبدأ حكاية قديمة ما زالت حاضرة حتى
وفي حوار مع دكتور محمد إدريس جرادات مدير مركز السنابل
يقول جرادات في يوم: صناعة دبس العنب.
يجتمع أفراد الأسرة حول محصول العنب، فيُختار الناضج منه بعناية، ثم تُغسل العناقيد وتُعصر لاستخراج عصير العنب الطازج. وبعد ذلك يُصفّى العصير من الشوائب، ويُوضع في أوانٍ كبيرة على نار هادئة. وهنا تبدأ المرحلة التي تحتاج إلى الصبر والخبرة؛ إذ يُترك العصير حتى يتبخر جزء كبير من مائه، فيزداد تركيزه شيئًا فشيئًا، ويتحول لونه إلى لون داكن جميل، وقوامه إلى شراب كثيف حلو المذاق.
ولا تكمن أسرار هذه الصناعة في الخطوات وحدها، بل في التفاصيل التي توارثتها العائلات الفلسطينية جيلًا بعد جيل. فدرجة النار، ومدة الغلي، وطريقة التصفية، ووقت الوصول إلى القوام المناسب، كلها أمور تحتاج إلى عين خبيرة تعرف متى أصبح الدبس جاهزًا. ولذلك ارتبط دبس العنب في فلسطين بالبيت الريفي وبموسم العنب، وأصبح جزءًا من المونة التي تُخزّن للاستفادة منها خلال أشهر السنة.
وقد اشتهر الفلسطينيون بصناعة دبس العنب، ولا سيما في المناطق التي تنتشر فيها زراعة العنب. وتحولت هذه الصناعة من وسيلة لحفظ محصول العنب والاستفادة منه إلى تراث غذائي وثقافي يعكس علاقة الإنسان الفلسطيني بأرضه. فالفلاح لا يرى في العنب مجرد محصول زراعي، وإنما يرى فيه ثمرة تعب عام كامل، ولذلك يحرص على ألا يضيع منه شيء، فيحوّل فائض المحصول إلى دبس يبقى طعمه شاهدًا على موسم العنب.
وللدبس مكانة خاصة على المائدة الفلسطينية؛ إذ يمكن تناوله مع الخبز، أو مزجه مع الطحينة، أو استخدامه في إعداد بعض الحلويات والأطعمة. كما يُعد مصدرًا للطاقة لاحتوائه على السكريات الطبيعية الموجودة في العنب، ويحتوي، بحسب طريقة تصنيعه وتركيزه، على بعض المعادن والمركبات النباتية الموجودة أصلًا في العنب. ومع ذلك، يبقى من المهم تناوله باعتدال، لأنه غذاء مركز وعالي السكر.
إن دبس العنب ليس مجرد مادة حلوة تُحفظ في الجرار، بل هو قصة تُكتب كل عام في الكروم والبيوت. قصة تبدأ بعناقيد تتدلى من أشجار العنب، ثم تمر بأيدي العائلة والنار الهادئة، لتنتهي في أوعية تحفظ خلاصة موسم كامل.
وهكذا بقي دبس العنب في الذاكرة الفلسطينية رمزًا للبركة وحسن التدبير، ودليلًا على قدرة الإنسان على تحويل خيرات أرضه إلى طعام يدوم. وبين رائحة العنب المغلي، وصوت الملاعق وهي تحرك العصير في القدور، ودفء البيوت التي تجتمع فيها العائلات، تستمر حكاية فلسطينية قديمة تقول إن الأرض حين تُحب، فإنها تمنح أهلها أكثر من محصول؛ تمنحهم تراثًا وذاكرة وطعمًا لا يُنسى.


