مسيرة القصة الأردنية في كتاب ”جدل الذات والموضوع”
لعل كتاب"جدل الذات والموضوع" يمثل دليلاً تاريخياً وجمالياً على مسيرة القصة الأردنية، ويؤكد قيمتها في المشهد الأدبي العربي، ويتيح للقارئ فرصة التعرف على هذا الفن الأدبي في أبعاده المختلفة بدءاً من جذوره التراثية ومروراً بتجاربه الحديثة ووصولاً إلى تأثيره في الثقافة الأدبية الأردنية والعربية المعاصرة.
يكشف الكتاب الذي يقع في 400 صفحة، عن متابعة مؤلفه العميقة لمسيرة القصة القصيرة الأردنية على مدار عقود، ويأتي بعد سنوات من الاهتمام بالنصوص الأردنية وتطوراتها، ليكون خطوة في تأريخ هذا الجنس الأدبي ومراجعة مراحله التاريخية والفنية، بما يتيح للقارئ رؤية شاملة لتطور القصة القصيرة الأردنية.
قسّم عبيد الله كتابه إلى ثلاثة أقسام رئيسة، كل منها يعكس منظوراً مختلفاً لفهم القصة الأردنية، والارتقاء بالبحث النقدي حولها، إذ جاء القسم الأول بعنوان "قضايا التجنيس، المرجع، المكان"، وضم مجموعة من البحوث والمقالات النقدية الشاملة التي تتناول القضايا الأساسية في النقد القصصي، من مثل إعادة النظر في تعريف القصة القصيرة وحدودها وتاريخها، مع تقديم تحليل معمّق لموقع التراث العربي في نشأة القصة القصيرة المعاصرة.
ويركز هذا القسم على استعراض جذور القصة العربية بعيداً عن الانطباعات الشائعة التي تشير إلى أن العرب استعاروا فن القصة من الغرب، فالناقد عبيد الله يؤكد هنا أن القصة فن عالمي، لا يختص بشمال أو جنوب، وأن للأدب العربي إسهامات رصينة فيه عبر العصور القديمة والمعاصرة، وفي الوقت نفسه، يعترف بالتأثر الغربي، ويشير إلى أن التفاعل بين التراث العربي والحركة الثقافية الغربية أسهم في صياغة نوع سردي متفرد يمتزج فيه التراث بالمعاصرة، ويستطيع التعبير عن قضايا الإنسان العربي وتطلعاته في العصر الحديث.
يتناول الباحث في هذا القسم أيضاً أنواع القصة الفرعية التي ظهرت في التجربة الأردنية، مما يعكس اتساع هذا الجنس الأدبي وانفتاحه على التجريب، إضافة إلى تقديم "معالم القصة القصيرة الأردنية" في صورة بانورامية تاريخية، تمتد من بدايات القصة الأردنية خلال عشرينيات القرن المنصرم، مروراً بتطورها عبر عقود متتابعة، وصولاً إلى اللحظة الراهنة.
يولي عبيدالله اهتماماً خاصاً لمسألة المكان في القصة الأردنية، مستعرضاً تحولات مدينة عمّان كما جسدتها نصوص القصة المختلفة، من قرية بسيطة في مطلع العشرينيات إلى مدينة عصرية مزدهرة.
يحمل القسم الثاني عنوان "قراءات في تجارب مختارة: رواد القصة قبل التسعينيات"، وركز فيه الناقد على قراءة تجارب رائدة في الكتابة القصصية، بدءاً من جيل الرواد الأوائل مثل يعقوب العودات (البدوي الملثم) وحسني فريز، وصولاً إلى تجارب الجيل الثاني من منتصف القرن العشرين الذين ساهموا في نشر القصة القصيرة عبر الصحافة الأدبية والمجلات الثقافية، وعكسوا تطورات الواقع وحياة المجتمع الأردني عبر نصوصهم ومن أبرز الأسماء التي تناولها عبيد الله: فخري قعوار، وجمال أبو حمدان، وصالح أبو أصبع، وعدي مدانات، ويوسف ضمرة، وسعود قبيلات، حيث قدم تحليلات نقدية دقيقة لنصوصهم وأسلوبهم الفني، مع إبراز أثرهم في تكوين التجربة القصصية الأردنية.


