جمال القصاص ناقدا في كتاب ”مرايا الشعر”يطرح رؤيته إلى الإبداع عبر قراءة 49 ديواناً بهويات متعددة
يبدأ جمال القصاص (1950) كتابه "في مرايا الشعر"، بمقدمة تليها شهادة له عن علاقته بالشعر، ثم 56 مقالة عن دواوين لشعراء من مصر وفلسطين والعراق وليبيا والإمارات وسوريا، يتطرق في ثناياها إلى قضايا إشكالية، منها ما يخص الشعر عموماً ولغته وأساليبه الفنية، ومنها ما يخص مفهومه لقصيدة النثر كما كتبها جيله وكما كتبتها أجيال تالية.
يقول القصاص: "نعم، أكتب حياتي في الشعر وبالشعر، أنتهك دقائقها وتفاصيلها، أقصى لحظاتها عتمة ونوراً، أسعد وأبتهج حين تصمد يدي وتقوى في هزة السطر. في داخلي قناعة بأن الشعر يحميني، وأن هذه الحماية هي شأن يخصني وحدي. يوفر لي البشر بقعة من الأمان والأمل، أتحصن بها من شرور العالم وآثامه، وعبثية الواقع من حولي" ص 11.
على حواف اللغة
ويرى القصاص، في السياق ذاته، أن حدسه الشعري مسكون بفكرة اللعب على الأطراف، على حواف اللغة والحلم والأشياء، "فهذا النوع من اللعب يوفر لي إمكانية الذهاب والإياب من وإلى الحالة بانسيابية شفيفة، ربما لا تتيحها لي فكرة اللعب في منطقة المركز التي غالباً ما تجر اللغة إلى ثقل سمج لا أحبذه كثيراً، فأنا أريد لغة خفيفة واخزة، مشربة بنزق حر، لغة غير مكتفية بذاتها، تحاول أن تعيد اكتشاف ذاتها في الثقوب والفجوات، بعيداً من المرآة المصقولة الواضحة".
كتاب نقد الشعر (الهيئة المصرية)
ويضيف، "في أوج الانفعال بكتابة الشعر، أفرح وأغضب أحياناً، وأحس بالورطة، بخاصة حين يتحول فعل الكتابة نفسه إلى فخ يترصدني، كأنني ذئب في فروة فريسة، أو فريسة في فروة ذئب، حينئذ أحس بمأزق، علي أن أنجو منه بمأزق آخر ضد، أصنعه وأستمتع به كطفل، يراقب بدهشة وشغف ذاته الشعرية وهي تبتكر الحلول على صفحة الورقة، أحياناً على شكل مفارقة، وأحياناً على شكل طرقة درامية مشحونة بالشجن والتوتر، أو على شكل سؤال ممسوس بعصب الوجود وعطبه أيضاً".
يعيش القصاص الشعر كحالة، كطقس، كتمرين متواصل على الحرية، "أكتب حتى أحب نفسي، وألتصق بها أكثر، ومن أجل ذلك أتصيد لحظات مخاتلة من السعادة والنشوة، حتى ولو في ظل حكاية معادة أو مشهد يومي رتيب، أو مزقة فرح تومض في شق".
"إضاءة 77"
يتناول جمال القصاص في المقال الأول والذي يليه، تجربة الشاعر حلمي سالم (1951- 2012)، وخلاصته أنه "عاش للشعر، وظل يتنفسه حتى الرمق الأخير". يركز في المقال الأول على ديوان "معجزة التنفس" الذي صدر بعد رحيل حلمي سالم في كتاب واحد مع ديوان آخر له هو "حديقة الحيوانات"، وشكلا بتعبير القصاص "مشهد وداع يليق بشاعر عاش حياته في الشعر وعاش الشعر فيه، وتعلما معاً كيف تكون الطفولة هي الرحم الخصب لمدارات الفعل الشعري". وفي المقال الثاني تناول القصاص مجمل تجربة حلمي سالم تحت عنوان "فانتازيا الكولاج ومشهدية النص"، ويذكر في ختامه أنه كان يشاكس صاحب "يوجد هنا عميان" ويقول له "أنت شاعر غريزي بامتياز"، فيرد عليه بقوله، أنا كائن غريزي بقوة الشعر، وإنسان عادي بقوة الحياة". ثم ينتقل إلى تجربة رفيق آخر في جيل السبعينيات، هو رفعت سلام الذي شكل مع القصاص وحلمي سالم وحسن طلب، الفريق المؤسس لجماعة "إضاءة 77" ومجلتها التي حملت الاسم نفسه.
يرى القصاص أن رفعت سلام "أخلص للشعر، لكن تفاقم حضور الأنا وإيقاعها المتعالي، والاعتماد على الحيل الغرافيكية كثيراً، أفقد الكتلة حيويتها وتوازنها داخل النص فبدا مفرطاً في نثريته، ومشاعاً للعبث المفتوح على كل شيء" ص 37. وفي المناسبة، تطرق القصاص إلى حديث سلام عن خروجه من جماعة "إضاءة 77" مع العدد الثالث من مجلتها، "وكأنه كان ضحية الدفاع عن رأي خاص، لم تستطع الجماعة تحمله ورفضته بشكل مهين، ومن منطلق كوني أحد مؤسسي هذه الجماعة، أوضح للتاريخ أنه لم يخرج أحد من أعضاء الجماعة، رفعت سلام منها، ولم يتم التآمر عليه، وإنما هو الذي أخرج نفسه بمحض إرادته".
الألفة والغرابة
وفي موضع آخر رأى القصاص أن رفعت سلام يمثل فكرة التجلي الأمثل لفكرة المراوحة والزمن الهارب في طوايا مثلث أحجاره الصغيرة: الوثوق واليقين والإرادة، وقدرته على أن يقلبه رأساً على عقب، فتتغير زواياه ومجال النظر إليه على عكس الدائرة المتصلة في استداراتها وضعفها، "وربما لذلك انشغل بالترجمة، ووجد فيها الصنو الذي يمنح شعريته هذه النهاية المجروحة بقوتها وضعفها" ص 83، 39. أما أمجد ريان فهو صاحب "عين طفل تلعب مع الحياة"، ومن ثم تتفتح شعريته على الحياة بمحبة خالصة للشعر، صنوها الأساس ليس إثارة الدهشة والأسئلة فحسب، إنما كيف يصبح السؤال عناقاً حياً بين أمومة الألفة وأبوة الغرابة". ورأى القصاص أن فريد أبو سعدة، "يأخذك إلى الشعر في كليته وبراءته الحميمية، لتتباهى كصوفي عاشق، بمجد المعصية، وتدرك أن الوجود هو حلقة متصلة للروح، تسبق الصورة والفكرة والنغمة والموسيقى والإيقاع".


