حين يتحرّك السكر… تستعيد المساجد روحها
مبادرة تطوعية تعيد البريق لمعالم في فلسطين عشية عيد الأضحى في "سعير والشيوخ"
بقلم الباحثة والأديبة - أميره عبدالعظيم
في المجتمعات الحيّة، لا تُقاس قيمة الإنسان بما يملكه، بل بما يتركه من أثر في المكان والناس. وحين تمتزج روح التطوع بالإيمان، تتحول أبسط المبادرات إلى مشاهد مضيئة تلامس الذاكرة الجمعية وتعيد للأمكنة روحها الأولى.
هكذا بدت مبادرة مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي تحت عنوان “من يحرّك السكر”، والتي أعادت الحياة والبريق إلى عدد من المساجد التاريخية في بلدتي سعير والشيوخ، في مشهد إنساني حمل كثيراً من الدلالات الوطنية والروحية والاجتماعية.
وتحت شعار الآية الكريمة:
“إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر”، انطلقت الحملة لتشمل مسجد الهدمي، ومسجد الشيوخ الجديد، ومسجد العيص، ومسجد النصر، في خطوة تجاوزت مفهوم التنظيف التقليدي، لتصبح فعلاً مجتمعياً يعيد التأكيد على أن بيوت الله ليست مجرد حجارة، بل ذاكرة وهوية وانتماء.
انطلاقة بطعم العطاء
مع ساعات العصر، بدأت الحركة تدبّ في محيط مسجد الهدمي، حيث تجمّع عشرات المتطوعين يحملون معدات التنظيف وخراطيم المياه والمواد اللازمة، تتقدّمهم روح الحماس والرغبة الصادقة في خدمة المكان.
وجاءت المبادرة برعاية كريمة من القائد عباس زكي “أبو مشعل”، وبمساندة مدير مركز شرطة سعير العقيد محمد طميزي، إلى جانب مشاركة واسعة من المؤسسات الرسمية والأهلية.
وكان لافتاً حضور طواقم الدفاع المدني للمتطوعين في بلدة الشيوخ، وطاقم شركة الأمير للبلاستيك الذي وفّر آلية الإطفائية اللازمة لعمليات الغسيل والتنظيف، إضافة إلى فرق المتطوعين من نادي شباب سعير الرياضي ومركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي.
في ذلك المساء، بدا المشهد أشبه بورشة وطنية مفتوحة؛ الجميع يعمل بروح واحدة، والأيدي تتشابك من أجل هدف بسيط في ظاهره، عميق في معناه: أن تستقبل المساجد عيد الأضحى المبارك بأبهى صورة.
من الأرض إلى المئذنة
لم تكن الحملة عملاً شكلياً أو عابراً، بل عملية تنظيف شاملة ودقيقة امتدت من الساحات الخارجية حتى قمم المآذن والقباب.
فقد شملت الأعمال غسيل الواجهات الحجرية وإزالة الأتربة المتراكمة، وتنظيف الساحات والمداخل، وتلميع النوافذ والثريات، إضافة إلى تنظيف القباب والمآذن باستخدام معدات متخصصة وفّرها المتطوعون والدفاع المدني.
وفي مشهد حمل الكثير من الرمزية، صعد عدد من المتطوعين إلى المآذن المرتفعة، بينما كانت المياه تتدفق فوق الحجارة القديمة لتعيد إليها لونها الأصلي وهيبتها التاريخية، وكأن الزمن يعود إلى الوراء ليمنح المكان فرصة جديدة للتألّق.
ومع تسلل ضوء الشمس عبر النوافذ بعد تنظيفها، بدت المساجد أكثر صفاءً وروحانية، تستعد لاستقبال المصلين في أيام العيد المباركة.
“تحريك السكر”… فلسفة الخير الكامن
الدكتور إدريس جرادات، القائم على مبادرة “من يحرك السكر”، أوضح أن اختيار هذه المساجد لم يكن مصادفة، بل جاء انطلاقاً من قيمتها الدينية والتراثية والتاريخية، وحاجتها الدائمة إلى الرعاية المجتمعية والتطوعية.
أما اسم المبادرة نفسه، فقد حمل دلالة إنسانية عميقة؛ فكما يستقر السكر في قاع الكوب حتى يُحرّك، يبقى الخير كامناً في المجتمعات حتى تأتي لحظة تحريكه بالفعل والمبادرة.
وقد لخّص الشيخ نعيم الحساسة، مشرف المساجد في أوقاف شمال الخليل، هذه الفكرة بقوله إن الخير موجود دائماً في مجتمعنا، لكنّه يحتاج إلى من يوقظه ويمنحه الحركة، حتى يتحول إلى جمال محسوس يراه الناس في الشوارع والمساجد والوجوه.
ما ميّز الحملة أيضاً أنها لم تقتصر على المتطوعين فحسب، بل تحولت إلى حالة من التكاتف الشعبي والرسمي، حيث شاركت بلدية الشيوخ عبر توفير تنك مياه الإطفائية، كما حضرت شخصيات وطنية واعتبارية وفعاليات مجتمعية دعماً وتشجيعاً للمبادرة.
وأشاد عضو مجلس بلدي الشيوخ المهندس معتصم المشني بجهود مركز السنابل وجميع المشاركين، مؤكداً أهمية هذه المبادرات في الحفاظ على الوجه الحضاري والديني للبلدات الفلسطينية.
كما وُجّهت كلمات الشكر للدكتور ناصر جرادات، مدير شركة الأمير للبلاستيك، على مساهمة الشركة في توفير آلية الإطفائية التي لعبت دوراً محورياً في إنجاز أعمال الغسيل والتنظيف.
حين يصبح التطوع ذاكرة للمكان
مع انتهاء الحملة، لم يكن المشهد مجرد مساجد نظيفة تستعد للعيد، بل كان صورة حقيقية عن مجتمع يعرف كيف يصنع الجمال من العمل الجماعي، وكيف يحافظ على ذاكرته الروحية والوطنية بالفعل لا بالشعارات.
لقد أثبتت مبادرة “من يحرك السكر” أن التطوع ليس فعلاً هامشياً، بل ثقافة قادرة على ترميم المكان والإنسان معاً، وأن المساجد حين تُغسل بالماء والمحبة، تستعيد ليس فقط بريق الحجارة، بل دفء الروح أيضاً.


