ماذا بعد رمضان ؟
لقاءنا مع صاحب الفضيله الأستاذ الدكتور عبدالغنى الغريب:
أستاذ العقيدة والفلسفة جامعة الأزهر وإبن قلعة القرآن الكريم أويش الحجر وبسؤال حضرة ماذا بعد رمضان ؟
قال بعد الاستفتاح والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله
لئن كان شهر رمضان المبارك قد انتهى ، فإن عمل المسلم لا ينتهي إلا بمفارقة روحه بدنه ، قال عز وجل لنبيه ﷺ : {و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين}. وو صى ربنا عيسى عليه السلام فقال: { وأوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حياً } .
وذكر لبعض السلف أناسا يجتهدون في رمضان ، ثم يتركون ذلك بعده ، فقال : بئس القوم لا يعرفون الله تعالى إلا في رمضان.
فلئن كان صيام الفرض في رمضان قد انقضى زمنه ، فقدابن ع الله تعالى للسابقين بالخيرات أياماً تصام طوال العام ، أولها صيام الست من شوال ، ففي صحيح مسلم : من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه : أن النبي ﷺ قال: من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر .
وصيام الاثنين والخميس ، كما في حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ : تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس ، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم. رواه الترمذي .
أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، والأولى والأحسن أن تكون أيام البيض وهي : الثالث عشر و الرابع عشر والخامس عشر من الشهر العربي ، لحديث أبي ذر قال : قال رسول الله ﷺ:يا أبا ذر: إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام ، فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. رواه الترمذي و النسائي .
وإلا صام ثلاثة أيام من أي الشهر، لحديث أبي هريرة : أوصاني خليلي ﷺ بثلاث … وأن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر.
وصيام شهر الله الحرام ، ففي صحيح مسلم : عن أبي هريرة أن النبي ﷺ سئل : أي الصيام أفضلُ بعد شهر رمضان ؟ قال : أفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم ” .
وصيام يوم عرفة ، فإنه يكفر سنتين: ماضية وباقية ، كما في صحيح مسلم . وصيام عاشوراء يكفر سنة ماضية ، وغيرها من التطوعات.
ولئن كان قيام رمضان قد انتهى ، فإن قيام الليل هو دأب الصالحين الأخيار دائماً ، كما قال ﷺ : عليكم بقيام الليل ، فإنه دأب الصالحين قبلكم ، وقربةٌ إلى الله تعالى ومنهاةٌ عن الإثم ، وتكفير للسيئات ، ومطردة للداء عن الجسد. رواه أحمد والترمذي والحاكم عن بلال رضي الله عنه .
وقوله تعالى:{ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون } السجدة .
وقوله: { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً * وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً * والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً } ( الفرقان: ٦٣-٦٥) .
وقوله تعالى: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون* وبالأسحار هم يستغفرون} ( الذاريات : ١٧-١٨ ) ليس خاصاً برمضان، بل هي سمةٌ من سماتهم ، وصفة من صفاتهم .
ولما ذُكر عبد الله بن عمر للنبي ﷺ قال : نعم الرجل عبد الله ، لو كان يقوم من الليل ، فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً ، رواه البخاري .
وقال : لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فتركه .
وهذا يدل على أن ترك قيام شيء من الليل نقص في إيمان الرجل وعمله ، وقيام الليل يتحقق ولو بركعتين بعد العشاء ثم يوتر بركعة ، وأفضله بعد شطر الليل أو في ثلثه الأخير.
وعبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: إن النبي ﷺ قال : أيها الناس أفشوا السلام، و أطعموا الطعام، و صلوا الأرحام، و صلّوا بالليل و الناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام.رواه الترمذي .
وكان نبينا ﷺ يقوم من الليل حتى ترم قدماه ، وفي رواية: ساقاه ، رواهما البخاري.
ولئن كان رمضان هو شهر القرآن الذي أنزل فيه ، ويكثر فيه المسلمون من قراءته وسماعه في أيامه ولياليه ، فإن المؤمن لا يهجر كتاب الله تعالى في غير رمضان ، بل هو كتابه الأول يتلوه ليلاً و نهارا ً، سراً وجهارا ً، سفراً وحضراً ، لا يفارقه أبداً ، قال عز وجل: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} (البقرة: ١٢١).
وقال سبحانه: { إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور} (فاطر: ٢٩) .
وقد أثنى الله تعالى على طائفة من أهل الكتاب بقوله : { من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون } (آل عمران: ١١٣) .
وقد أوصى النبي ﷺ بالمحافظة على قراءته ومعاهدة حفظه ، فقال: تعاهدوا القرآن ، فوالذي نفسي بيده لهو أشدُّ تفصياً من الإبل في عقلها. متفق عليه .
ولئن كان رمضان هو شهر الزكاة لأكثر المسلمين ، فإن انفاق المنفقين الخيرين لا ينقضي ولا ينتهي ، بل هو مستمر دائم ، كما قال الله عز وجل: { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } (البقرة : ٢٧٤ )
وقال: { والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم }( المعارج : ٢٥-٢٦) .
وهذا يدل على دوام إنفاقهم في كل وقت وحين ، وليس خاصاً بزمن دون زمن .لأن الفقراء والمساكين حاجاتهم مستمرة ، فلا يغفل عنهم المسلم بقية السنة .
وكان النبي ﷺ أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان ، لكن هو ﷺ كان أجود الناس دوما ، بل كما وصفه أصحابه أنه ما سئل شيئاً قط فقال : لا .
وجوده كان بكل أنواع الجود ، بالمال وبالعلم وبالبدن وبالجاه .
ولئن كان شهر رمضان هو شهر إطعام الطعام للفقراء والأقرباء والجيران ، فينبغي أن يدوم ذلك ، كما قال عليه الصلاة والسلام لأبي ذر رضي الله عنه: «يا أبا ذر، إذا طبخ أحدكم قدراً فليكثر مرقها ، ثم ليناول جاره منها» رواه الطبراني في الصغير.
والمسلم الحق من يخاف من عدم قبول الأعمال ، قال تعالى: ( إنما يتقبل الله من المتقين ) المائدة : ٢٧.
وكان السلف يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه ، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ، وهؤلاء الذين قال الله فيهم (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ) المؤمنون : ٦٠.


